في الذكرى الأولى لاتفاق وقف النار الذي أنهى شهرين من الحرب والتهجير والغارات المكثفة، يعود الجدل إلى الواجهة حول وثيقة من ست صفحات وثلاث عشرة فقرة كان يُفترض أن تشكل إطاراً لمرحلة جديدة في الجنوب اللبناني. غير أن الوقائع على الأرض تقول إن فصول الصراع لم تتوقف فعلياً، بل تبدلت وتيرتها وشكلها.


الاتفاق نصّ في أبرز بنوده على نزع سلاح جميع المجموعات المسلحة في لبنان، وتفكيك البنى التحتية والمواقع العسكرية غير الشرعية، ومصادرة الأسلحة غير المصرح بها، بدءاً من جنوب نهر الليطاني، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي إلى جنوب الخط الأزرق. لكن هذه النقاط التي صيغت كمحاولة لترتيب الوضع الأمني في الجنوب تحولت إلى محور خلاف داخلي وخارجي:
 هل يعني النص سحب سلاح حزب الله من كامل الأراضي اللبنانية، أم حصراً من الجنوب؟ وما جدوى الحديث عن نزع سلاح جهة لبنانية فيما تتهم الأخيرة إسرائيل بأنها لم تنسحب أصلاً بل احتلت مواقع جديدة جنوبية خلافاً لما تقوله الورقة؟


لبنان قدّم قراءته الرسمية للاتفاق بوصفه «كلية تطبيقية للقرار 1701». أما إسرائيل والولايات المتحدة، فكانتا تنظران إليه بشكل مختلف: وثيقة إضافية للضغط باتجاه سحب السلاح من جنوب الليطاني، مع التشديد على تطبيق القرارات الدولية. ومع مرور الوقت، تراجعت بالفعل القناعة الإسرائيلية بالاتفاق والقرار 1701 معاً، إذ لم يعد أي منهما جزءاً من حسابات تل أبيب الحالية.


أرقام الخروقات الأخيرة تكشف الصورة بوضوح. فمنذ وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، سُجّل نحو 7500 خرق إسرائيلي. وبحسب معهد «ألما» الإسرائيلي، نفذت إسرائيل نحو 670 غارة جوية على لبنان في عام واحد فقط، بمعدل يقارب هجومين يومياً، استهدف 97% منها جنوب نهر الليطاني. هذا التركّز ليس تفصيلاً: إنه مؤشر إلى أن المنطقة الجنوبية ما تزال مركز التوتر و«نقطة اللااستقرار» الأولى في المعادلة.


ومع حلول المهلة التي حددتها الحكومة اللبنانية للجيش بشأن ملف نزع سلاح حزب الله قبل نهاية العام، تبدو الصحافة الإسرائيلية أكثر ميلاً للحديث عن «أيام ساخنة قريبة». هذا المناخ تترجمه تصريحات متتالية من مراكز القرار في تل أبيب، تشير إلى أن إسرائيل دخلت مساراً تصاعدياً على المستويين السياسي والعسكري، بدعم أميركي موازٍ على المستويين المالي والاقتصادي.


وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل تتجه نحو توسيع نطاق هجماتها، ليس فقط في الجنوب، بل عبر عمليات جوية قد تستهدف بيروت والبقاع أيضاً، في إطار رسائل مباشرة إلى الدولة اللبنانية وإلى الحزب على حد سواء. فالخريطة الجغرافية لأي مواجهة مقبلة لن تكون محصورة بضربات نقطية أو باستهداف الحدود فقط.


وسط كل ذلك، يتباين توصيف اتفاق وقف النار نفسه: هناك من يراه هدنة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة، ومن يعتبره غير مكتمل أصلاً، فيما تحاول دول عديدة الحفاظ عليه ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع، والإبقاء على الوضع تحت سقف التهدئة المرحلية.


لكنّ المعادلة الراهنة تبدو معلّقة بين ضغط دولي للحفاظ على الهدنة، وواقع ميداني يتجه نحو التصعيد. ومع كل خرق جديد، وكل غارة إضافية، وكل خطوة سياسية غير محسوبة، تتقلص المساحة بين وقف النار… واستئناف الحرب.