تحوّل اسم نوح زعيتر خلال ربع قرن من مجرّد مطلوب خطر في البقاع إلى رمز لشبكات التهريب وتجارة المخدّرات الممتدّة بين لبنان وسوريا. رجل نسج حوله كثيرون صورة “الزلمة المحميّ”، المستند إلى غطاء سياسي – أمني مكّنه من توسيع نشاطه بلا خشية من الملاحقة الجدية. اليوم، الصورة مقلوبة تماماً: الرجل نفسه في زنزانة داخل وزارة الدفاع، والدولة التي تغاضت عنه طويلاً تحاول أن تجعل من توقيفه نقطة بداية لضرب المنظومة التي عملت لحسابه.
الكمّ الهائل من الملفات القضائية المكدّسة باسمه يكشف حجم الظاهرة التي يجسّدها. في حق زعيتر أكثر من 1500 مذكرة توقيف غيابية، وأكثر من 200 ملف مفتوح في مختلف المحافظات، بينها أحكام وصلت إلى الأشغال الشاقة مدى الحياة. وحده القضاء العسكري يحتفظ له بـ49 قضية تتراوح بين الاتجار بالمخدرات، ومحاولة قتل عسكريين، وحيازة أسلحة وذخائر، وسلسلة اتهامات أخرى. هذا التشتّت بين المحاكم والدوائر القضائية يطرح، وفق ما يُناقش في الكواليس، خيار حصر كامل ملفاته في بيروت، لتسهيل نقله ومواكبته أمنياً وقضائياً في مرحلة المحاكمات.
خلف هذه السيرة القضائية تقف حماية سياسية – أمنية وفّرت له، طوال أكثر من 25 عاماً، مظلّة من النوع الذي لا يحصل عليه تاجر مخدرات عادي. علاقته الوطيدة بقائد الفرقة الرابعة في الجيش السوري، اللواء ماهر الأسد، كانت أحد مفاتيح نفوذه. تلك الصلة جعلته جزءاً من شبكة أوسع مرتبطة بنظام البعث، في مرحلة تحوّل فيها تهريب المخدرات وتبييض الأموال إلى أحد مصادر التمويل المظلمة للنظام، خصوصاً مع اشتداد الحرب والعزلة الدولية.
لكن المشهد الإقليمي تبدّل. سقوط النظام السوري، وما رافقه من تغيّر في موازين القوى داخل لبنان وحوله، أسقط الكثير من “المظلّات” التي اتّكأ عليها تجّار التهريب الكبار. ومع انكشاف هذا الغطاء، وجد القرار السياسي في بيروت فرصة للانتقال من منطق التسويات إلى خيار المواجهة. هكذا وُضع ملف شبكات المخدرات على الطاولة، واتُّخذ قرار بملاحقة الرؤوس الكبيرة، ولو تطلّب الأمر مواجهات عنيفة أو عمليات أمنية قاسية على خطوط التهريب وفي معاقل المطلوبين.
في هذا السياق جاءت عملية توقيف نوح زعيتر. القوّة الضاربة في مديرية مخابرات الجيش نفّذت كميناً محكماً لحظة خروجه من منزله، من دون أن تمنحه فرصة للاشتباك أو الفرار. لم تُسجَّل مقاومة تُذكر، ما يعكس حجم المراقبة المسبقة ودقّة المعلومات التي سبقت العملية. نُقل مباشرة إلى وزارة الدفاع، حيث بدأ تحقيق واسع معه يشمل نشاطه وشبكاته وارتباطاته، تمهيداً لإحالته إلى المحكمة العسكرية قبل فتح روزنامة محاكماته في باقي الملفات.
منذ اللحظة الأولى لدخوله السجن، بدا واضحاً أن المقاربة هذه المرّة مختلفة. مُنعت الزيارات عنه كلياً، بما في ذلك محاميه أشرف الموسوي، الذي لم يحصل حتى الآن على إذن من النائب العام التمييزي جمال الحجّار لمقابلته. هذا التشديد لا يقتصر على العزل الجسدي، بل يمتد إلى البيئة المحيطة به في البقاع. الجيش نفّذ مداهمات متتالية في حي الشروانة في بعلبك، طاولت منازل عدّة بينها منزل زعيتر نفسه ومنزل صهره، كما سبق أن دهم منزل رئيس بلدية الكنيسة خضر زعيتر، شقيق نوح، في إطار البحث عن أسلحة، ومخبآت، وأدلّة إضافية تتصل بنشاط الشبكات المرتبطة به.
الركيزة الأهم في التحقيق اليوم هي أجهزة الاتصالات التي كانت بين يدي زعيتر. فقد صودرت هواتفه الخلوية كلّها، وبدأ تفريغ محتوياتها من اتصالات ورسائل و”داتا” تفصيلية. هذه المادة لا تُقرأ فقط كأرشيف شخصي لتاجر مخدرات، بل كخريطة علاقات معقّدة تضم مروّجين، مهرّبين، وسطاء، وحمايات، وربما أسماء من مستويات اجتماعية وسياسية مختلفة.
المعنيون بالملف يتحدّثون عن أن سلسلة الأسماء ستتدحرج تباعاً، وأن التحقيق لن يقتصر على الحلقة الضيقة المحيطة به، في ظلّ قرار معلن بعدم توفير غطاء لأحد، مهما كان موقعه.
هذا ما يفسّر أيضاً وتيرة التحقيقات، إذ لم تتوقف جلسات الاستجواب وجمع المعلومات منذ سبعة أيام متتالية، في محاولة لتفكيك الشبكات التي عملت تحت عباءته، داخل لبنان وعلى خطوط التهريب إلى سوريا وخارجها. التوجّه هو عدم الاكتفاء بإسقاط “الرأس” وترك الجسد حياً، بل ضرب المنظومة التي راكمت أرباحاً هائلة من تجارة السموم على حساب المجتمعات والأمن والاقتصاد.
هكذا يصبح ملف نوح زعيتر أكبر بكثير من توقيف مطلوب خطِر. إنّه اختبار لمدى جدّية الدولة في خوض معركة فعلية ضد اقتصاد المخدرات، بعيداً عن التسويات الظرفية والرسائل المتبادلة. فإذا استُكمل المسار إلى نهاياته، وجرى الذهاب بالتحقيقات إلى كل من يثبت تورّطه أو تغطيته، يمكن أن يشكّل هذا الملف نقطة تحوّل في مقاربة ملف التهريب والجريمة المنظّمة في لبنان. أمّا إذا توقّفت الأمور عند حدود الصفقة أو التسوية، فسيُضاف اسم جديد إلى لائحة الملفات الكبرى التي بدأت بوعود صارمة وانتهت بلا عدالة حقيقية.


