تتحرّك إسرائيل على أكثر من خطّ سياسي وعسكري في لحظة إقليمية مشحونة، واضعةً عنواناً واحداً لمرحلتها المقبلة: نزع سلاح حزب الله أو الذهاب إلى مواجهة أوسع. هذا ما تعكسه التسريبات والمواقف المتلاحقة عشية زيارة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى المنطقة، والتي تحاول تل أبيب تحويلها إلى محطة مفصلية في العلاقة مع لبنان.


موعد نهائي لنزع سلاح حزب الله

قبل أن تحطّ أورتاغوس في المنطقة، سارعت إسرائيل إلى مطالبة واشنطن بتحديد موعد نهائي متّفق عليه مع الحكومة اللبنانية، يُعتمد كإطار زمني لمسار نزع سلاح حزب الله. ربطت تل أبيب ذلك بسيناريو واضح: إما تقدّم سياسي ملموس في ملف السلاح، وإما توسيع نطاق العمليات العسكرية على الأراضي اللبنانية.

بالتوازي، ضخّت الآلة الأمنية والإعلامية الإسرائيلية تقارير تتحدّث عن أنّ حزب الله عزّز جهوزيّته، ورفع مستوى استعداداته لاحتمال مواجهة جديدة مع إسرائيل، في حين تلوّح تل أبيب بقصف مناطق لبنانية لم تتأثّر مباشرة بالحرب السابقة.


ضغط على واشنطن… واستعداد لتوسيع الهجمات

في القراءة الإسرائيلية، التوجّه نحو واشنطن ليس مجرّد تنسيق، بل محاولة لـانتزاع غطاء أميركي مسبق لتوسيع ضربات سلاح الجو، وفتح جبهة استهداف مناطق كانت إدارة ترامب قد طلبت تجنّبها في مراحل سابقة. تذهب بعض الأوساط في تل أبيب إلى حدّ القول إنّ إسرائيل تريد أن تمسك بزمام المبادرة في ملف «نزع السلاح»، وألّا تظلّ رهينة إيقاع المفاوضات أو حسابات الداخل اللبناني.

في هذا السياق، تُعامِل تل أبيب الخطوات اللبنانية الرسمية بكثير من الشكّ. الجولة التي نظّمها الجيش اللبناني لوسائل الإعلام المحلية والأجنبية في مواقع الأنفاق التي نُسبت إلى حزب الله، تُقدَّم في الرواية الإسرائيلية كـ«عرض إعلامي» أكثر منها مؤشراً على جدية الدولة اللبنانية في تنفيذ تعهّدات أو التزامات على صلة بالسلاح غير الشرعي.


رواية إسرائيل: حزب الله يعيد التموضع ويتجه لحرب طويلة

ترفق إسرائيل هذه المواقف بتقارير رفعتها إلى الإدارة الأميركية، تفيد – وفق ادعائها – بأنّ حزب الله:

  • أعاد تفعيل خطوط إمداد السلاح من سوريا بدعم مباشر من إيران،
  • عزّز تمركزه العسكري في جنوب لبنان،
  • طوّر قدراته الصاروخية بما يمكّنه من إصابة العمق الإسرائيلي،
  • كثّف نشاطاته الاستخباراتية،
  • ونظّم قدرته على إدارة حرب طويلة الأمد إذا فُرضت المواجهة الشاملة.

انطلاقاً من هذه القراءة، تميل جهات أمنية إسرائيلية إلى اعتبار لبنان وسوريا جبهة واحدة متصلة، لا ساحتين منفصلتين. ومن هنا تبرز الدعوات داخل تل أبيب لإقامة مناطق عازلة واسعة باتجاه الجبهتين اللبنانية والسورية، بحجة تقليص الخطر على إسرائيل.


«السكان جزء من المعركة»… وحديث عن تهجير مقنّع

ضمن هذا المنطق، لا يُنظر إلى السكان المدنيين في جنوب لبنان بوصفهم ضحايا محتملين لأي حرب، بل كجزء من بنية القوة التي يستند إليها حزب الله. فالسكان، بحسب المنطق نفسه، مصدر دعم لوجستي ومعنوي ومعلوماتي لأي تنظيم مسلح.

من هنا يذهب بعض الخطاب الإسرائيلي إلى حدّ الدعوة الصريحة لعدم السماح لسكان القرى الجنوبية المحاذية للحدود بالعودة إلى منازلهم في حال اندلاع مواجهة واسعة، بل وتوسيع هذا المنع ليشمل المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني إذا اتّسعت الهجمات. ويُطرح في السياق نفسه أنّ الدولة اللبنانية نفسها لن تكون بمنأى عن الاستهداف، وأنّ كل ذلك يستدعي تنسيقاً وثيقاً مع الولايات المتحدة لإقامة منطقة عازلة كبيرة تُعتبر، وفق الرؤية الإسرائيلية، خط الدفاع الأول.


سوريا… وتقسيم جغرافي في خدمة «الأمن الإسرائيلي»

على الضفة السورية من المشهد، تعترف تل أبيب بإخفاقات رافقت هجوماً نفّذه الجيش الإسرائيلي في جنوب سوريا رغم التحضيرات الكثيفة له. هذا الفشل يدفعها إلى إعادة دراسة سيناريوهات مختلفة لإحباط ما تصفه بالخطر الآتي من الشمال الشرقي.

في هذا الإطار، تبرز مقاربة أكثر خطورة: سوريا كجسر جغرافي حاسم في مشروع شرق أوسط جديد، يجب ضمان السيطرة على مخرجاته. واحدة من الطروحات التي تُتداول في النقاشات الإسرائيلية تتحدّث صراحة عن تقسيم سوريا إلى ثلاث كيانات:

  • «دولة درزية» في الجنوب،
  • «دولة كردية» في الشمال،
  • ومنطقة مركزية يُتّفق لاحقاً على الجهة التي تسيطر عليها.

الهدف المعلن لهذه الهندسة الجغرافية – السياسية هو ضمان قيام منطقة أمنية عازلة بين سوريا وإسرائيل، تمنع تمركز قوى تعتبرها تل أبيب معادية قرب حدودها.


إيران في الخلفية… وهاجس الحرب المقبلة

في خلفية كل هذه الحسابات، تبقى إيران حاضرة بقوّة في العقل الأمني الإسرائيلي. الحديث يتواصل عن إعادة تسلّحها، وعن خشية إسرائيل من تجدّد المواجهة معها بشكل مباشر أو عبر ساحاتٍ وسيطة كلبنان وسوريا وغزة.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة التصعيد الكلامي حول نزع سلاح حزب الله، أو الدعوات لإقامة مناطق عازلة، أو سيناريوهات تقسيم سوريا، بمعزل عن صورة أوسع: إسرائيل تستعدّ لمرحلة تريد فيها تقليص نفوذ إيران وأذرعها في الإقليم بالقوة إذا تعذّر ذلك بالسياسة، وتحاول في الوقت نفسه إقناع واشنطن بأنّ الوقت حان لاعتماد مقاربة أكثر حزماً تجاه لبنان وسوريا معاً.

ما يبدو في الظاهر نقاشاً حول سلاح حزب الله وحدود المواجهة جنوباً، هو في العمق جزء من إعادة رسم لمعادلات الأمن الإقليمي: أمن إسرائيل، موقع إيران، مصير سوريا، ومستقبل لبنان بين ضغط الخارج وحسابات الداخل.