بعد أكثر من خمس سنوات على بدء محاكمة بنيامين نتنياهو بتهم الفساد والاحتيال وخيانة الأمانة، انتقل رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى خطوة غير مسبوقة في مسيرته السياسية والقضائية: طلب رسمي إلى رئيس الدولة إسحق هرتسوغ لمنحه العفو الرئاسي، من دون الإقرار بأي ذنب.
منذ انطلاق ملفات الاتهام ضده، حافظ نتنياهو على رواية ثابتة: الاتهامات ذات دوافع سياسية، والمحاكمة ستثبت في نهايتها "براءته الكاملة". لكن رئيس الوزراء نفسه برّر هذا التحوّل بالحديث عن "ضرورات أمنية وقومية" تفرض، بحسب تعبيره، مقاربة مختلفة. ففي رسالة شخصية أُرفقت بطلب العفو، قال:
إن هدفه كان وما يزال "استمرار العملية القضائية حتى نهايتها لإثبات البراءة"، لكنه أضاف أن "الواقعة الأمنية والسياسية" التي تعيشها إسرائيل، وحجم التحديات والفرص التي تواجهها، تقتضي – برأيه – إغلاق ملف محاكمته من أجل "تعزيز الوحدة الوطنية" وتبديد الانقسامات الداخلية.
الطلب الذي قدّمه محامو نتنياهو جاء في أربع عشرة صفحة مع ملاحق تتضمن لائحة الاتهام، ورسالة موقّعة باسمه، لكنه امتنع فيها عن الاعتراف بالتهم. مكتب الرئيس الإسرائيلي وصف الخطوة بأنها "استثنائية وتنطوي على تداعيات هامة"، وأعلن أنه سيجمع الآراء القانونية والمهنية قبل أن ينظر هرتسوغ في الطلب بـ"مسؤولية وجدية بالغة".
سياسياً، بدا وقع الخطوة أشبه بـ"زلزال". وزراء في الائتلاف الحاكم سارعوا إلى تأييد العفو، معتبرين أنه يخدم "مصلحة الدولة" ويُسهم في "وحدة إسرائيل". وزير الخارجية جدعون ساعر كان من أبرز الداعمين، إذ رأى أن إنهاء محاكمة رئيس الحكومة بات ضرورة وطنية في ظل الظروف الراهنة.
في الضفة المقابلة، قاد زعيم المعارضة يائير لابيد هجوماً مضاداً، موجهاً رسالة واضحة إلى الرئيس هرتسوغ: لا عفو من دون اعتراف بالتهم، وإبداء الندم، والتنحي الفوري عن الحياة السياسية. بهذا المعنى، ربط لابيد أي تسوية قضائية بخروج نتنياهو من المشهد السياسي، رافضاً تحويل العفو إلى أداة لإنقاذه من المحاكمة مع الإبقاء على سلطته.
الشارع الإسرائيلي بدوره دخل على الخط. عشرات المتظاهرين تجمعوا أمام منزل الرئيس رفضاً للعفو، ونظّموا عرضاً رمزياً بعنوان "جمهورية الموز"، في إشارة إلى ما يرونه انزلاقاً في معايير دولة القانون نحو نموذج "دولة الأشخاص" لا دولة المؤسسات.
التفاعلات لم تقتصر على الداخل الإسرائيلي. ناشطون ومغرّدون عرب تابعوا المشهد عن كثب وعلّقوا عليه بكثير من السخرية والمرارة. بعضهم وصف نتنياهو بأنه "حجر القبر لإسرائيل" بسبب فساده، ورأى في طلب العفو مؤشراً على أزمة شرعية عميقة وتراجع في شعبيته وانقسامات داخلية حادة. آخرون اعتبروا أن ما يجري لا يعدو كونه "مسرحية" توفّر لإسرائيل فرصة الإيحاء بوجود محاسبة، فيما تستمر – برأيهم – سياسة الإفلات من العقاب عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين والعرب.
تساؤلات عديدة طُرحت أيضاً حول إشارة نتنياهو في رسالته إلى "أحداث استثنائية" متوقعة في المنطقة خلال الأشهر المقبلة، من دون أن يوضح المقصود بها، ما فتح الباب لتكهنات سياسية وأمنية واسعة. في المقابل، رأى بعض المعلّقين أن قبول العفو – إن حصل – قد لا يمر بسهولة على المحكمة الإسرائيلية نفسها ما لم تُستكمل إجراءات أوسع، مثل تغيير رئيسة المحكمة أو تعديل مسار الملف القضائي، ما يعكس حجم التعقيد القانوني والسياسي المحيط بالطلب.
من جهة أخرى، أعيد التذكير بموقف سابق لدونالد ترامب، الذي كان قد طلب من الرئيس الإسرائيلي العفو عن نتنياهو مرّتين: الأولى خلال زيارته للكنيست، والثانية في رسالة أرسلها قبل أسابيع، في إشارة إلى استمرار دعم جزء من اليمين الأميركي لزعيم اليمين الإسرائيلي حتى في لحظة ضعفه القضائي.
قانون الأساس في إسرائيل يمنح رئيس الدولة صلاحية العفو عن المحكومين وتخفيض أو استبدال العقوبات، لكن توظيف هذه الصلاحية في حالة رئيس حكومة يمارس صلاحياته، ومتهم في قضايا فساد كبرى، يدفع بالسؤال إلى مستوى آخر: هل يتحول العفو الرئاسي إلى أداة لإنقاذ رأس السلطة التنفيذية من محاكمة طويلة ومكلفة سياسياً، أم إلى خطوة تؤسس لصفقة خروج مشروط من الحياة العامة؟
بين قصر الرئاسة، والمحكمة، والشارع، ومعسكرَي اليمين والمعارضة، يبقى القرار في يد إسحق هرتسوغ. لكن المؤكد أن أي حسم في طلب نتنياهو لن يُقرأ في إسرائيل والعالم كإجراء قانوني بحت، بل كاختبار عميق لطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي وحدود استقلال قضائه، وللسؤال الأوسع: من يحاكم من في دولة يحكمها رجل يطلب العفو وهو لا يزال في موقع السلطة؟


