قبل أسابيع من نهاية السنة، تتصرّف إسرائيل وكأنها أمام مهلة نهائية لحسم ثلاثة ملفات مترابطة: إيران، لبنان وغزة. لهذا الغرض، تُسرّع وتيرة التنسيق مع واشنطن، سياسياً وأمنياً وعسكرياً، في محاولة لرسم شكل المرحلة المقبلة قبل أن يفرضها خصومها من جانب واحد.


في هذا السياق، يستعد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير للتوجّه إلى الولايات المتحدة الأسبوع المقبل، للقاء رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي الجنرال دان كين. هذا الاجتماع ليس زيارة بروتوكولية عادية، بل لقاء عمل هدفه وضع تصوّر مشترك لأي تحرك أمني محتمل على الجبهات الثلاث، مع تركيز خاص على الجبهة اللبنانية التي تتهم تل أبيب الدولة فيها بالعجز عن تفكيك سلاح حزب الله أو الحد من قدراته المتنامية. وتأتي هذه الزيارة بعد جولة مباحثات أجرتها الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس في إسرائيل، وسط توقعات إسرائيلية بأن نهاية الشهر الحالي قد تتحول إلى نقطة فاصلة في تحديد مسار الوضع الأمني في المنطقة: إما تثبيت وقف إطلاق النار كمرحلة طويلة نسبياً، وإما فتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد.


في الخطاب الداخلي للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، يجري التذكير باستمرار بأن ما يجري الآن ليس «نهاية حرب» بل وقف إطلاق نار على جبهات ما زالت مفتوحة. لبنان، إيران وغزة تُعامَل كلها كساحات معركة مؤجلة لا كمناطق خرجت من دائرة المواجهة. من هنا تحضر نغمة تحذير متكررة: التحدي الأكبر، كما يراه قادة الأمن، هو «تعاظم العدو الإيراني» بما يتجاوز البرنامج النووي ليشمل شبكة القوى الحليفة لطهران في لبنان واليمن والعراق وسوريا.


لهذا السبب، يدعو بعض المسؤولين الأمنيين في تل أبيب إلى عدم الارتهان للخيار العسكري المباشر وحده، بل توسيع الجهد ليشمل عمليات استخباراتية منظّمة على كل الجبهات، وبالتنسيق الكامل مع الأميركيين، بهدف ضرب «المنظومة» التي يقودها النظام الإيراني، لا الاكتفاء بالتعامل مع كل ساحة كملف منفصل.


على الجبهة اللبنانية، يضاف إلى هذه الحسابات هاجس محدّد: ردّ حزب الله على اغتيال القائد العسكري هيثم طبطبائي. الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لا تُخفي قلقها من هذا الاحتمال، وقد أدارت نقاشاً واسعاً حول سيناريوات الرد المحتملة، انطلاقاً من قناعة بأن الحزب لن يمرّ على الاغتيال مرور الكرام، وإن كان يحتفظ لنفسه بحرية اختيار الزمان والمكان وطبيعة الرد.


تقديرات المؤسسة الأمنية ترسم صورة «معركة شبكة» لا معركة حدود فقط. فإعادة بناء بنية حزب الله العسكرية، كما تراها تل أبيب، ليست عملية لبنانية صرفة، بل جزء من مشروع إقليمي تشارك فيه طهران مباشرة؛ تدريب مجندين جدد، تزويدهم بالسلاح والخبرات، وإدارة خطوط الدعم اللوجستي. والجهة نفسها – وفق القراءة الإسرائيلية – تشرف في الوقت ذاته على توجيه الحوثيين في اليمن، وفصائل عراقية، وعناصر من الحشد الشعبي. وهكذا ترى إسرائيل نفسها في مواجهة مباشرة، أو «رأساً برأس» كما يعبّر بعض قادتها، مع أكثر من فصيل في آن واحد، لا مع حزب واحد على الحدود الشمالية فقط.


انطلاقاً من هذه المقاربة، بلور الأمن الإسرائيلي ثلاثة سيناريوات رئيسية لردّ انتقامي مرتبط باغتيال طبطبائي:

أولاً: أن يأتي الرد من الساحة السورية، عبر هجوم تنفّذه جماعات إسلامية مسلّحة قريبة من حزب الله، كانت إسرائيل قد استهدفتها في غارات الأسبوع الماضي. استخدام هذه المجموعات يوفّر للحزب هامش مرونة وإنكار، ويجعل الرد جزءاً من صراع أوسع يدور على الأرض السورية.

ثانياً: أن تُنفّذ عملية من اليمن، يتولاها الحوثيون في إطار «رد نوعي» مباشر على اغتيال طبطبائي، الذي تتهمه إسرائيل بأنه لعب دوراً محورياً في تدريبهم ورفع قدراتهم الميدانية. في هذا السيناريو، تتحول اليمن إلى منصة رد باسم محور كامل، لا باسم حزب الله وحده.

ثالثاً: أن يجري استهداف أهداف إسرائيلية أو يهودية في الخارج، ضمن عملية مشتركة تشارك فيها إيران وحزب الله، سواء في دول غربية أو في بلدان أكثر هشاشة أمنياً. هذا الاحتمال هو الأكثر حساسية من وجهة نظر تل أبيب، لأنه يفتح المواجهة على ساحات دولية معقّدة، ويصعّب عليها الرد من داخل لبنان أو ضمن قواعد اللعبة المعتادة على الجبهة الشمالية.


السيناريو الثالث تحديداً يُقلق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى حدّ وضع أجهزتها في حال استنفار شاملة، سواء لجهة تعزيز حماية المنشآت والأهداف الحساسة في الداخل، أو لجهة توسيع التعاون مع أجهزة استخبارات أجنبية يُشتبه بأن أراضيها قد تكون ساحة محتملة لأي هجوم من هذا النوع.


هكذا، تبدو إسرائيل وهي تسرّع خطوات التنسيق العسكري والاستخباراتي مع واشنطن وكأنها تستعدّ لمرحلة مفتوحة على خيارات متشددة، تحاول أن تضبط توقيتها وحدودها قبل أن يُفرض عليها جدول أعمال مختلف من جانب خصومها. وفي الخلفية، يبقى سؤال واحد معلّقاً في ذهن صانع القرار في تل أبيب: هل يمكن حسم ملفات إيران ولبنان وغزة بضربة واحدة موزّعة على ثلاث جبهات، أم أن أي خطأ في الحساب قد يحوّل نهاية هذه السنة إلى بداية مرحلة لا يمكن التحكم بمسارها أو كلفتها؟