سقوط القنبلة في حارة حريك لم يكن مجرد تفصيل عابر في غارة جديدة على الضاحية الجنوبية. فالصاروخ الذكي الأميركي الصنع، الذي أطلقته الطائرات الإسرائيلية نحو شقة القيادي في حزب الله هيثم طبطبائي في حارة حريك، وصل إلى الهدف… لكنّه لم ينفجر. منذ تلك اللحظة، تحوّلت الذخيرة من أداة اغتيال إلى عبء تقني وأمني على من صنعها ومن استخدمها، وفتح ملفًا معقّدًا بين بيروت وواشنطن.
فبعد أيام قليلة فقط على العملية، تلقّت الدولة اللبنانية عبر القنوات الرسمية طلبًا عاجلًا من الولايات المتحدة يقضي بـ«استرجاع» القنبلة غير المنفجرة. الطلب بحد ذاته ليس مألوفًا: واشنطن تطالب بذخيرة استخدمت في غارة إسرائيلية داخل منطقة لبنانية، لكنها ما زالت سليمة تقنيًا، ما يعكس مستوى القلق الأميركي حيال ترك هذا النوع من الأسلحة الدقيقة خارج السيطرة. في المقابل، التزمت قيادة الجيش اللبناني الصمت ولم تصدر أي بيان يوضح الموقف، فيما اقتصر ما تسرّب على تأكيد مصدر عسكري أن القنبلة صودرت يوم وقوع الهجوم، وأنها ليست في حوزة حزب الله، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن مكانها أو مصيرها.
القنبلة المعنية هي من طراز GBU-29، سبق أن ظهرت في مشهد الضاحية من قبل، وتحديدًا في عملية اغتيال القيادي في حماس صالح العاروري. هي ذخيرة موجهة بنظام مزدوج يجمع بين الإحداثيات عبر الأقمار الصناعية (GPS) والملاحة بالقصور الذاتي، تُطلق من الطائرات على مسافة تصل إلى نحو 14 كيلومترًا، ويقارب وزنها 110 كيلوغرامات. تملك أجنحة انزلاقية تمكّنها من الطيران لمسافة محددة من دون محرّك، قبل أن تهبط بدقة على الهدف المحدد. هذه الخصائص تجعلها أداة مثالية لضرب شقة أو سيارة داخل حي مكتظ من دون نسف المبنى بأكمله، الأمر الذي يسمح لإسرائيل بتقليل حجم الدمار الظاهر والادعاء بأنّها «تحد من الأضرار الجانبية» أمام الرأي العام الخارجي.
لكن القيمة الحقيقية لهذه القنبلة لا تكمن في وزنها المتفجر ولا في ثمنها التجاري الذي يدور حول 50 ألف دولار، بل في التكنولوجيا المزروعة داخلها. فهذه الذخيرة تحمل في قلبها منظومات توجيه وتحكّم وتواصل متطورة، تجعل وقوعها سليمة في بيئة معادية سيناريو شديد الحساسية بالنسبة لواشنطن. من هنا يأتي الإصرار الأميركي على استعادتها خشية أن تصل إلى حلفاء حزب الله، مثل إيران أو روسيا، أو أي جهة قادرة على تفكيك مكوّناتها الإلكترونية والقيام بـ«هندسة عكسية» لفهم الشيفرات وأنماط التوجيه، أو تطوير نسخ مشابهة، أو حتى اكتشاف ثغرات في منظومات السلاح الأميركية نفسها. لذلك يطلق عليها الجيش الإسرائيلي تسمية «قنبلة المطر الحاد»، ويعاملها كقطعة من أسرار ترسانته الدقيقة وليست مجرد قذيفة عادية.
كل ذلك يحدث في ظرف إقليمي متوتر، مع تصاعد الحديث عن احتمالات توسّع المواجهة مع لبنان. في هذا السياق، تتحول قنبلة واحدة لم تعمل إلى اختبار سياسي وسيادي حساس: هل يتعامل لبنان معها كسلاح غريب يجب إخراجه سريعًا من أراضيه استجابة للطلب الأميركي، أم كدليل ملموس على مستوى الشراكة العملياتية بين واشنطن وتل أبيب في استهدافه؟ وبين الحسابات التقنية والهواجس الاستراتيجية، يبقى السؤال معلّقًا: مصير هذه الذخيرة أين سيُحسم… في بيروت أم في واشنطن؟


