جاء توقيف المدعو حسن علي نعيمي، الملقّب بـ"حسن جرافة"، كضربة أمنية موجعة لإحدى أخطر الشبكات التي راكمت نفوذها في مخيّم شاتيلا على مدى سنوات، وحوّلت المخيّم ومحيطه إلى ساحة مفتوحة لتجارة المخدرات والسلاح، وتشكيل العصابات المسلحة، وفرض الخوّات وترهيب الأهالي. سقوط "جرافة" لم يكن مجرد توقيف مطلوب عادي، بل تفكيك لرأس منظومة كاملة كان "الهنغار" قلبها النابض.
يقع مخيّم شاتيلا ضمن نطاق بلدية الغبيري على أرض سهلية تبلغ مساحتها حوالى /79.000/ متر مربع، يحدّه من الشرق حيّ فرحات، ومن الجنوب الحرش، ومن الغرب صبرا والحيّ الغربي، ومن الشمال تجمعا الداعوق وغوّاش. طبيعته العمرانية المفتوحة وتعدّد مداخله وتداخله الديموغرافي والجغرافي مع الأحياء المحيطة، جعلت حركة الدخول إليه والخروج منه شبه حرة وغير مضبوطة بالكامل. المخيّم يقع ضمن منطقة عمليات فوج التدخّل الرابع في الجيش اللبناني، لكن لا توجد حواجز تفتيش ثابتة للجيش على مداخله، عملاً بقرار مجلس الوزراء الذي حمّل قوى الأمن الداخلي مسؤولية ضبط الدخول والخروج في مخيمات بيروت.
على مستوى السيطرة الداخلية، يخضع مخيّم شاتيلا لسلطة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى رأسها حركة "فتح"، بالتوازي مع نفوذ فصائل قوى التحالف الفلسطيني وعلى رأسها حركة "حماس". غير أن صراعات النفوذ بين هذين المحورين تنعكس سلباً على مستوى التعاون والتنسيق في الملفات الأمنية والاجتماعية، وتفتح هوامش تتحرك في داخلها شبكات السلاح والمخدرات والمطلوبون، وتستفيد منها أيضاً بعض التيارات المتشددة دينياً.
بيئة المخيّم اليوم مهددة بعدّة مخاطر متراكبة. تجارة الأسلحة الحربية تشكّل أحد أبرز هذه المخاطر، إذ تسهّل عملية اقتناء السلاح بشكل واسع لدى قاطني المخيّم من مختلف الجنسيات، بما فيهم النازحون السوريون، بما يجعل أي احتكاك قابلاً للتحوّل إلى اشتباك مسلّح يهدّد الأمن الوطني. إلى جانب ذلك، تتصدّر تجارة وترويج المخدرات والحبوب والأدوية الممنوعة مشهد التدهور الأمني والاجتماعي، سواء داخل المخيّم أو في الأحياء المحيطة به. كما تحوّل المخيّم، بحكم القيود المفروضة على دخول الأجهزة الأمنية اللبنانية إليه، إلى ملاذ آمن لبعض المطلوبين من جنسيات عدة، بحيث يجري الاعتماد على التنسيق مع القوّة الأمنية الفلسطينية المشتركة لتوقيفهم عند اللزوم.
في موازاة ذلك، تنتشر داخل المخيّم ظاهرة السرقة والنشل والسلب وتشكيل عصابات مخصّصة لهذه الغاية، بما يشكّل تهديداً مباشراً للأرواح والممتلكات، ليس فقط داخل المخيّم بل في محيطه أيضاً. كما يسجَّل تردّد بعض الأصوليين والمتشدّدين دينياً إلى المخيّم، مع احتمال تعاطف بعض الفصائل ذات الخلفية الأصولية معهم، ما يرفع من احتمالات تحوّل المخيم إلى بؤرة أمنية يمكن استغلالها لاحقاً للقيام بأعمال إرهابية. ويزيد المشهد خطورة انتشار ظاهرة إطلاق النار في الهواء في مناسبات اجتماعية أو على خلفيات إشكالات وخلافات، بما يعرّض سلامة المواطنين للخطر بسبب الرصاص الطائش، ويعمّق مناخ القلق والتوتر لدى سكان المخيّم والأحياء المجاورة.
الضغط الاقتصادي يضاعف منسوب الهشاشة. فاللاجئون الفلسطينيون والنازحون السوريون داخل المخيّم يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة، في ظل تضاؤل التقديمات الاجتماعية والمالية، ما يسهل استغلال بعضهم أو تجنيدهم في تشكيل عصابات مقابل مردود مالي. وتتداخل هذه العوامل مع سهولة استحصال قاطني المخيّم، بمن فيهم النازحون السوريون، على أسلحة وعتاد حربي من تجار السلاح المنتشرين داخله، ما يفتح الباب أمام أخطار أمنية كبيرة، خصوصاً إذا حاولت مجموعات مسلّحة توسيع انتشارها خارج نطاق المخيّم.
في هذا المناخ، برز اسم حسن علي نعيمي، المعروف بلقبه "حسن جرافة"، كأحد أخطر الأشخاص المطلوبين داخل مخيّم شاتيلا. كان يدير ما يُعرف بـ"الهنغار"، المركز الرئيس والأشهر لتوزيع المخدرات في المخيّم، ويقود عصابة مسلحة متخصّصة بتجارة المخدرات والأسلحة الحربية، وعمليات السلب والنشل والسرقة وفرض الخوّات وترهيب المواطنين، ما جعله يشكل خطراً دائماً على سلامة الأهالي وممتلكاتهم.
في 10/12/2025، نفّذت دورية من مكتب أمن الضاحية، وبالتنسيق مع الأمن الوطني الفلسطيني، عملية نوعية عند مدخل مخيّم شاتيلا، انتهت بتوقيف حسن نعيمي. بنتيجة التفتيش، ضُبطت بحوزته رمانة يدوية، مسدسان حربيان، ثمانية هواتف خلوية، إضافة إلى كمية كبيرة من المخدرات والمسروقات. هذا التوقيف جاء تتويجاً لمسار طويل من الجرائم التي راكمها على مدى أكثر من عقد، وفتح الباب أمام إعادة رسم مشهد "الهنغار" وشبكاته.
السجل الأمني لحسن نعيمي طويل ومتدرّج. ففي 4/5/2014، داخل مخيّم شاتيلا، شارك في تبادل إطلاق نار نتج عنه إصابة السوري عمر سمك في بطنه، علماً أن الأخير صودف مروره في المكان، إضافة إلى إصابة المدعو ح. عسّاف. بعد أقل من شهر، في 2/6/2014، وفي محلة صبرا، أقدم على شهر مسدس حربي وتلقيمه في وجه عناصر شرطة البلدية، على خلفية إزالة مخالفة، في إشارة واضحة إلى نمط تهديد مباشر للسلطات المحلية. في 28/4/2015، في محلة صبرا أيضاً، شارك في إطلاق نار ورمي رمانة يدوية أثناء تنفيذ الجيش مداهمة لتوقيف مطلوبين. ثم في 31/5/2015، في المحلّة نفسها، شارك في إطلاق نار وتعدّى بالضرب على المدعو حسن ع. عسّاف، قبل أن يعود في 30/6/2015 ويشارك في تبادل إطلاق نار في محلة صبرا نتج عنه احتراق محل دراجات نارية عائد للمدعو علي ناصر الدين، وفي 16/7/2015 شارك في تبادل إطلاق نار في المحلّة نفسها أدّى إلى إصابة عدد من الأشخاص.
بعد تلك المرحلة، سُجّلت واقعة إطلاق نار في الهواء بتاريخ 13/2/2014 في مخيّم شاتيلا، خلال حفل زفاف، حيث أقدم على إطلاق النار من سلاح حربي في الهواء، في نموذج تكرّر لاحقاً في مناسبات عدّة. وفي 28/6/2023، في محلة صبرا، وبسبب خلافات مرتبطة بالمخدرات، أقدم على إطلاق النار من سلاح حربي في الهواء. ثم في 10/7/2023، في مخيّم شاتيلا، وبسبب المخدرات أيضاً، شارك مع آخرين في تبادل إطلاق نار من أسلحة حربية، قبل أن يعيد، في 17/7/2023، إطلاق النار من سلاح حربي في الهواء داخل المخيّم.
مع العامين 2024 و2025، تزايد الربط بين نشاطه المسلّح وملف المخدرات بشكل أوضح. بتاريخ 9/1/2024، في مخيّم شاتيلا، وبسبب المخدرات، أقدم على تبادل إطلاق نار مع شخص آخر، فأُصيب المدعو عبدو مبارك في رجله اليمنى، علماً أنه صودف مروره في المكان. وبعد أقل من أسبوعين، في 21/1/2024، في المخيّم نفسه، وبسبب المخدرات كذلك، أطلق النار باتجاه المدعو محمود حمّود وأصابه في رجله اليمنى. ثم في 9/6/2025، على مدخل مخيّم شاتيلا، وبخلفية تتصل أيضاً بالمخدرات، أطلق النار باتجاه المواطن أنطوني جدعون، مستهدفاً إياه مباشرة، ما أدّى إلى إصابته في قدمه اليسرى.
في موازاة ذلك، تتوالى حوادث إطلاق النار في الهواء داخل المخيّم ومحلة صبرا لأسباب مرتبطة بالمخدرات أو المناسبات الاجتماعية أو حالات وفاة وتشّييع. في 20/1/2024، في مخيّم شاتيلا، وأثناء إقامة حفل زفاف، أطلق النار في الهواء من سلاح حربي. في 28/1/2024، في المخيّم نفسه، وأثناء تشييع شخص، كرّر السلوك نفسه. بتاريخ 18/2/2024، في مخيّم شاتيلا، وبسبب المخدرات، شارك في تبادل إطلاق نار مع آخرين. في 24/2/2024، في المخيّم ذاته، وأثناء إقامة حفل زفاف، أطلق النار من سلاح حربي في الهواء. بتاريخ 19/4/2024، في محلة صبرا، وعلى خلفية وفاة شخص، أطلق النار من سلاح حربي في الهواء. ثم في 20/7/2024، في محلة صبرا أيضاً، وبسبب المخدرات، تبادل إطلاق النار من أسلحة حربية مع آخرين.
ومع نهاية 2024، بتاريخ 15/12/2024، في محلة شاتيلا، وأثناء تشييع شخص، أطلق النار مجدداً في الهواء من سلاح حربي. في 2/1/2025، داخل مخيّم شاتيلا، وبابتهاج بعيد رأس السنة الميلادية، أطلق النار في الهواء من سلاح حربي. ثم في 13/1/2025، في المخيّم نفسه، كرّر إطلاق النار من سلاح حربي في الهواء. بتاريخ 16/1/2025، في مخيّم شاتيلا، وأثناء الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة، أطلق النار في الهواء من سلاح حربي. وفي 18/4/2025، في المخيّم ذاته، وبهدف تجربة سلاح، أقدم على إطلاق النار في الهواء، قبل أن يعيد السيناريو نفسه بتاريخ 19/4/2025 وأثناء إقامة حفل زفاف في مخيّم شاتيلا، ثم في 20/4/2025 أثناء حفل زفاف آخر في المخيّم، وأخيراً في 21/6/2025، خلال حفل زفاف جديد في المخيّم، حيث أطلق النار من سلاح حربي في الهواء.
"الهنغار" نفسه، بوصفه المركز الرئيس لتوزيع وتصنيع المخدرات في مخيّم شاتيلا الذي كان يديره حسن نعيمي، شكّل محوراً أساسياً في العمل الأمني. فقد تمت مداهمته عدة مرات من قبل الجيش اللبناني ومكتب أمن الضاحية، جرى خلالها توقيف عدد كبير من المروّجين العاملين لصالحه، وضبط كميات كبيرة من المخدرات والأسلحة الحربية والرمانات اليدوية. كما جرى تهديم الموقع مرّات عدة، وكانت الدوريات تتعرّض في كل مرة تقريباً لإطلاق نار من داخل المنطقة المستهدفة، كان آخرها بتاريخ 20/9/2025، ما عكس استعداداً مسلحاً مكرساً لحماية هذه البؤرة الإجرامية.
في المحصلة، يُعتبر حسن نعيمي مطلوباً بموجب /20/ مستند لصالح مديرية المخابرات، بجرائم تشمل تأليف عصابة مسلّحة لتجارة المخدرات والأسلحة الحربية، والسلب والنشل والسرقة وفرض الخوّات وترهيب المواطنين. وخلال العام 2015، بلغ تدهور الوضع حداً دفع أهالي مخيّم شاتيلا إلى توجيه بيان إلى الدولة اللبنانية، يشتكون فيه من قيامه مع آخرين بترويج المخدرات بشكل علني داخل المخيّم. وبتاريخ 16/10/2015، غادر عبر مرفأ طرابلس، قبل أن يعاود لاحقاً نشاطه الإجرامي في شاتيلا إلى أن انتهى به الأمر موقوفاً على مدخل المخيّم، في خطوة تشكّل بداية فعلية لإعادة تفكيك واحدة من أخطر إمبراطوريات الجريمة المنظمة في بيئة المخيّمات.


