اختار رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زمير، أن يظهر على الحدود اللبنانية في مشهد مُصمَّم بعناية: إضاءة شمعة “عيد الأنوار” اليهودي إلى جانب الفرقة 51 المنتشرة في المنطقة. لكن الطقس الرمزي لم يكن بريئاً ولا احتفالياً؛ بل جاء محمولاً على دلالات عسكرية مباشرة، في توقيت تتحدث فيه الأوساط الإسرائيلية عن ضغط أميركي لإفساح المجال أمام المسار الدبلوماسي مع لبنان.
في تلك الزيارة، لم يقدّم زمير صورة “القائد المطمئن”، بل لمح إلى احتمال إطلاق حملة جديدة في الشمال، واضعاً سقفاً واضحاً: لن يُسمح لحزب الله بإعادة بناء قدراته أو تعزيزها. وحتى في طريقة إدارة الرسالة، بدا أنه يتقصّد تعظيم وقعها: تحدّث إلى الجنود من دون نقل صوته في التسجيلات، وكأنّ ما يُقال يجب أن يصل “كإشارة” لا كتصريح، ثم استعرض مع قيادة المنطقة الشمالية خريطةً تضم شخصيات لبنانية تم اغتيالها سابقاً—استعراضٌ لا يحتاج إلى شرح بقدر ما يحمل تهديداً مبطّناً بأن بنك الأهداف قابل للتفعيل متى تقرّر ذلك.
“عقل سياسي”… بقبضة حديدية
الخطاب الإسرائيلي الرسمي يحاول الجمع بين متناقضين: الحديث عن “عقل سياسي” على الجبهة الشمالية، مع الإصرار على استخدام “قوة كبيرة”. وفي الصيغة التي يتم تسويقها داخلياً، تبدو إسرائيل وكأنها تريد استثمار لحظة تعتبر فيها حزب الله “أضعف”، لفرض تغيير في قواعد الاشتباك: ضغط دبلوماسي داخل لبنان، وضغط عسكري على حزب الله، وتعبئة دولية… وتحديداً تحت مظلة شراكة كاملة مع واشنطن.
الأخطر في هذه المقاربة ليس مجرد التهديد، بل تحويل الملف اللبناني إلى مشروع “إنجاز” أميركي–إسرائيلي مشترك: رئيس أميركي “يتوق لتحقيق إنجاز”، وفق التعبير الإسرائيلي، وبالتالي يجب “دعمه”. أي أن لبنان يُنقل من خانة النزاع الحدودي إلى خانة “الإنجاز السياسي” المطلوب تسجيله في واشنطن، ولو على حساب ميزان القوى والوقائع الداخلية اللبنانية.
توم براك في تل أبيب: خطوط حمر في سوريا… ووقت إضافي في لبنان
في هذا السياق، جاء لقاء المبعوث الأميركي توم براك مع نتنياهو والقيادات الأمنية الإسرائيلية بمثابة غرفة ضبط إيقاع: ليس الهدف فقط بحث “تقويض حزب الله”، بل رسم حدود الحركة الإسرائيلية في أكثر من ساحة.
وفق المعطيات المتداولة، وضع براك أمام نتنياهو خطوطاً حمر تفرضها واشنطن في سوريا، لمنع أي خطوات قد تزعزع نظام الشرع أو تدفع الساحة السورية إلى انفلات أوسع، وفي لبنان لتأمين مساحة زمنية تسمح للمسار الدبلوماسي أن يتقدم. أما غزة، فيبدو أن دور براك هناك أقرب إلى “الاستماع” منه إلى فرض مسار حاسم—كأن الملف جُعل مؤجلاً أو معلقاً ضمن أولويات لا تتحمل صداماً إضافياً الآن.
ومن اللافت أن النقاش الإسرائيلي حول سوريا يتخذ طابعاً صدامياً مع الرؤية الأميركية: حديث عن “دولة شريعة” يجب منعها من التحول إلى وكيل لتركيا، وشروط إسرائيلية “قاسية جداً” تريد تل أبيب تثبيتها كأمر واقع، وربط ذلك بلقاءات أعلى مستوى مع ترامب. أي أن إسرائيل تسعى إلى إدخال سوريا ولبنان في سلّة واحدة: سلّة “الشروط” التي يُراد لواشنطن أن تتبناها لا أن تكتفي بضبطها.
من “المهلة” إلى “رفع الفيتو”
في القراءة الإسرائيلية للمرحلة، ليست المسألة: هل تنجح الدبلوماسية؟ بل: كم من الوقت ستبقى واشنطن ممسكة بـ”الفيتو” الذي يمنع انفجار الحرب؟
مسؤول إسرائيلي يختصر المنطق بوضوح: إذا لم تتحقق “النتائج المطلوبة”، وإذا انقضت المهلة دون وقف إعادة بناء حزب الله أو دون إبعاده فعلياً عن الحدود، فقد يُرفع الفيتو الأميركي—وحينها لن يبقى أمام إسرائيل سوى الذهاب إلى ما تسميه “حرباً لا مفر منها”. هنا تتحول الحرب من خيار إلى “قدر مصطنع”، تُصاغ شروطه مسبقاً وتُبنى له ذرائعه تدريجياً: مهلة، ثم تقييم، ثم ادعاء فشل، ثم تحريك القرار العسكري.
لبنان بين عرض الإنجازات وسقف الإنذار
بين مقولة الجيش اللبناني عن التقدّم في ملف السلاح، وبين لغة إسرائيل عن “المهلة” و”رفع الفيتو”، يقف لبنان أمام معادلة دقيقة: لا يكفي أن يُقدّم نفسه كطرف يراكم إجراءات، لأن الطرف المقابل لا يقيس الإجراءات بميزان الدولة اللبنانية، بل بميزان الأمن الإسرائيلي ومطالب التغيير البنيوي على الحدود. والفارق بين الميزانين هو بالضبط ما قد يُستخدم ذريعة للانتقال من الدبلوماسية إلى التصعيد.
الخلاصة أن المشهد لم يعد مجرد تهديدات متبادلة، بل سباق على تعريف المرحلة: لبنان يريدها مساراً لتثبيت الاستقرار عبر الدولة، وإسرائيل تريدها “عدّاً عكسياً” لفرض وقائع جديدة—على الأرض، وفي السياسة، وتحت سقف أميركي يُمسك بالفيتو… إلى حين.


