لم تكن الجولة التي اصطحب فيها الجيش اللبناني سفراء وملحقين عسكريين إلى جنوب الليطاني مجرّد نشاط بروتوكولي. هي، عملياً، محاولة لتثبيت سرديةٍ لبنانية تقول إنّ الدولة تحاول الإمساك بالأرض عبر المؤسسة العسكرية، وإنّ “حصر السلاح” ليس شعاراً بل مساراً تنفيذياً. غير أنّ تل أبيب تعاملت مع الرسالة باعتبارها تحدّياً مباشراً لخطابها السياسي والأمني، فسارعت إلى تحويل الحدث إلى مادة اشتباك: رفع جهوزية معلن في المواقع الخمسة التي ما زالت تحتلّها داخل لبنان وعلى امتداد الحدود، وتكليف الفرقة 21 بمهام الجبهة، بالتوازي مع ضخّ رواية مضادة هدفها نزع المصداقية عن “الإنجاز اللبناني” قبل أن يترسّخ في ذهن الخارج.
في المقابل، اختارت إسرائيل أن تُدير المعركة عبر ورقتين متلازمتين: الأولى ميدانية عنوانها “الاستنفار”، والثانية إعلامية/سياسية قوامها تقرير يصف آليات تنفيذ وقف النار بأنها متعثّرة، ويقدّم لجنة “الميكانيزم” كأداة عاجزة عن ضبط الوقائع على الأرض. وفي صلب هذا التقرير اتهام مباشر للجيش اللبناني بأنه لم يتعامل إلا مع جزء من الإخطارات التي تزعم تل أبيب أنها رفعتها حول “محاولات تعزيز القدرات”، وبأنه لم يتخذ إجراءات إزاء مئات الخروقات التي تتحدث عنها إسرائيل، محددةً رقم 352 خرقاً. ثم يذهب الخطاب نفسه إلى تفصيلٍ وظيفته صناعة الانطباع: ما يتم إنجازه – وفق الادعاء الإسرائيلي – يحصل في مناطق مكشوفة لا في عمق القرى، وأن هناك مواقع وأنفاقاً ومجمّعات يُفترض أنها خارج متناول الجيش أو خارج إرادته.
لكن ما تريده تل أبيب أبعد من تبادل اتهامات تقنية حول البلاغات والردود. هي تسعى إلى قلب المعادلة: بدل أن يُنظر إلى خطوات الجيش اللبناني بوصفها محاولة ضبطٍ واستقرار، تريد تصويرها كعملية “تسويق” لا تمسّ جوهر المشكلة. لذلك جاء التصعيد الكلامي كامتداد طبيعي للتقرير، عبر تحذير يكرّر لازمة ثابتة في الأدبيات الإسرائيلية: “الهدوء أخطر من الحرب”، لأنّه – في زعمها – يمنح الخصم فرصة لترميم قدراته. بهذه الجملة تُعاد صياغة الهدنة كفخّ، وتُشرعن فكرة “العمل اليومي” المستمر، بل وتُفتح أبواب التهديد بتوسيع العمليات إلى مناطق أخرى داخل لبنان عند الحاجة، وكأنّ وقف النار ليس محطة لتخفيض التوتر بل مساحة لإدارة ضغط دائم.
وفي خلفية هذا كلّه، تتكشّف مفارقة إسرائيلية لا تقلّ أهمية: بينما يرتفع منسوب التحذير على الجبهة الشمالية، تشهد بلدات الشمال في الداخل الإسرائيلي احتجاجات على السياسة المتّبعة هناك. اعتراضات تتصل بإبقاء مناطق واسعة شبه خالية من السكان، وبضعف البنية الوقائية من ملاجئ وغرف آمنة، ما يجعل المجتمع الحدودي يعيش حالة “تعليق” بين العودة المؤجلة والخوف الدائم من جولة جديدة. أي أنّ إسرائيل، وهي تلوّح بالجاهزية وتعيد تسويق مفهوم “الهدوء المزيّف”، تواجه في الوقت نفسه سؤالاً داخلياً بسيطاً وقاسياً: كيف تُدار الجبهة إذا كانت بيئتها المدنية غير محصّنة بما يكفي، وإذا كان الإخلاء الطويل صار سياسةً أكثر منه إجراءً طارئاً؟
هكذا تتحول الحدود إلى مسرح صراعٍ على المعنى بقدر ما هي خط تماس. لبنان يحاول أن يقدّم نفسه للخارج كدولة تُعيد تثبيت حضورها عبر جيشها، وإسرائيل تحاول أن تقطع الطريق على هذا التسويق بتقرير اتهامي واستعراض جهوزية، وبخطابٍ يربط الهدوء بالخطر. وفي المنتصف، يظلّ السؤال الأكثر حساسية: هل يُترك وقف النار ليعمل كآلية تبريد، أم يُستدرج تدريجياً ليصبح منصة ضغط مفتوحة تُبقي الجبهة على حافة الاشتعال… فيما الداخل على الجانبين يدفع ثمن “التوازن على الأعصاب”؟


