ليس ما جرى بعد اجتماع الناقورة الثاني مجرد تبادل تصريحات بين بيروت وتل أبيب. نحن أمام لحظة تُعاد فيها هندسة المشهد كلّه: الدولة اللبنانية تحاول تحويل “حصر السلاح” إلى مسارٍ متدرّج تقوده المؤسسة العسكرية ويستند إلى خطة مكتوبة، فيما إسرائيل تتعامل مع المسار نفسه كمهلة اختبار قصيرة، تُستخدم لإنتاج ذريعةٍ إضافية لا لإغلاق باب الحرب.


من جهة بيروت، اختار رئيس الحكومة نوّاف سلام أن يرفع السقف مبكراً. لم يقدّم الأمر كإجراء روتيني أو كبيانٍ إداري عن تقدّم العمل جنوب الليطاني، بل كقرار سياسي يفتح الباب مباشرةً على “الموجة التالية” شمال النهر. هذا التقديم يُقصد به تثبيت معادلة واضحة: الدولة لا تتوقف عند حدود الجغرافيا التي يطالب بها الخارج، بل تعتبر الخطة واحدة، والانتقال من مرحلة إلى أخرى جزءاً من مسار سيادي لا من استجابة ظرفية.

لكن الرسالة الأوضح في كلام سلام لم تكن “قرب إنجاز المرحلة الأولى” بقدر ما كانت “من يمسك بالمقود”. لقاءه مع السفير سيمون كرم لم يُبنَ على منطق “تفاوض” بقدر ما تمحور حول تثبيت الجيش كمرجعية تنفيذية وحيدة، وطلب فتح صنبور الدعم له كي لا تتحوّل الخطة إلى عبءٍ سياسي يستهلك الدولة بدل أن يعزّزها. المعنى هنا أن بيروت تريد أن تقول: لا يمكن مطالبتنا بنتائج كبيرة إذا كان الجيش يُترك وحيداً في ساحة ضغطٍ متعددة الاتجاهات.


في المقابل، تل أبيب لا تقارب الموضوع من زاوية “هل يتقدم لبنان؟” بل من زاوية “كيف نمنع تقدّمه من أن يصبح حجة ضدنا؟”. لذلك خرجت سريعاً بقراءة إسرائيلية للاجتماع الثاني تُعيد ترتيب الأولويات: التشكيك بفعالية اللجنة، والحديث عن عقبات “ميدانية”، وتحويل النقاش من مراقبة وترتيبات إلى سؤال واحد: لماذا لا تُنفّذ إسرائيل ما تعتبره حلاً نهائياً؟

هنا تحديداً تظهر نقطة التحول: المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وفق ما يُسرَّب، تدفع باتجاه عملية أوسع ليست نسخةً عن عمليات سابقة، بل نموذجٌ أطول زمنياً وأكثر كثافة في النار، مع توغلات برية محسوبة. المهم ليس تفاصيل الخطة بحد ذاتها، بل وظيفة تسريبها: خلق مناخٍ داخلي يُقنع الرأي العام الإسرائيلي بأن القرار جاهز وأن التردد سياسي لا عسكري، وأن “نافذة الفرصة” تُغلق إذا تُرك الملف للجنة أو لليونيفيل أو للجيش اللبناني.


ولكي تكتمل “الذريعة”، يُعاد تدوير عنوان يبدو للوهلة الأولى تقنياً: تفتيش المنازل. إسرائيل تريد أن تُظهر الأمر كـ“رفض لبناني للتعاون”، وتستثمره لتصعيد سرديتها بأن الجيش اللبناني لا يذهب إلى حيث يجب، أو لا يقوم بما يكفي. في المقابل، يأتي موقف اليونيفيل الذي يقول إن لا دليل على إعادة تعزيز القوة كعائقٍ أمام هذا البناء الدعائي، لأنّه يضرب الفكرة من أساسها: إذا كان الادعاء غير مثبت، فكيف يتحوّل إلى مبرر لتوسيع النار؟


لكن تل أبيب لا تحتاج إلى “إثبات” بقدر ما تحتاج إلى إطار عقائدي جديد. لهذا تُطرح معادلة أخطر من موضوع التفتيش: “عقيدة أمن” تقوم على عمل دائم ونشط على كل الحدود، وعلى تحويل جنوب لبنان إلى منطقة تُدار بمنطق الحزام/العازل قبل أي حديث عن العودة إلى الحدود الدولية. هذا ليس توصيفاً أمنياً فحسب؛ إنه إعادة تعريف لماهية الانسحاب نفسه: يصبح الانسحاب نتيجةً لاحقة بعد تحقيق الشروط داخل لبنان، لا التزاماً يبدأ بالانسحاب ثم يُبنى عليه الاستقرار.


في وسط هذه المماحكة، يطل العامل الأميركي كساعة توقيت سياسية لا كضمانة. إسرائيل تربط قرارها النهائي بموعد لقاء نتنياهو وترامب في التاسع والعشرين من الشهر، وكأنها تقول صراحةً: قبل ذلك نحافظ على نارٍ منخفضة تحت القدر، وبعده نقرر إن كنا سنرفع الحرارة. ومعنى هذا أن “الإيقاع المضبوط” على الجبهة ليس تهدئة، بل تعليق قرارٍ كبير على ضوءٍ أخضر أو تفويض ضمني أو حتى مجرد هامش صمت.


أما بيروت، فتُراهن على تحويل التقدّم الميداني إلى رصيد سياسي يمنع الحرب أو يرفع كلفتها الدبلوماسية. لذلك يجيء الكلام عن “مؤشرات إيجابية” من لبنان على لسان مسؤول أميركي كخيطٍ يُستخدم للقول إن المسار قائم ولا يمكن نسفه بسهولة. لكن الخطر هنا أن هذا الخيط نفسه قد يتحول إلى شرط: المطلوب ليس فقط إنجاز مرحلة، بل إنتاج نتيجة تُقرأ في تل أبيب باعتبارها “إزالة تهديد”، أي أن السقف يُرفع كلما تقدّمت الدولة خطوة.

يسابق لبنان الزمن ليخرج من جنوب الليطاني وهو ممسك بسرديته: خطة الدولة، يد الجيش، انتقال منظم إلى الشمال. وإسرائيل تسابق اللحظة نفسها لتخرج بسردية معاكسة: لجنة غير كافية، تفتيش غير موجود، تهديد باقٍ، والحل بيدها وحدها. وبين السباقين يقف موعد التاسع والعشرين كمفترق: إما أن يبقى التهديد أداة ابتزاز سياسي داخل مسار اللجنة، أو يتحول إلى قرارٍ عملياتي يُفرض على الأرض تحت عنوان “العقيدة الجديدة”.