لم تكن زيارة السيناتور الأميركي ليندسي غراهام إلى إسرائيل مجرّد محطة بروتوكولية في روزنامة التضامن السياسي التقليدي. فالرجل اختار أن يرفع سقف الاتهامات علناً، متّهماً حزب الله وحركة حماس بمحاولة إعادة تسليح نفسيهما، في لحظةٍ تبدو فيها تل أبيب كمن يحضّر المسرح لمرحلة جديدة: تثبيت وقائع ميدانية على الحدود اللبنانية، وتوسيع خرائط النفوذ في سوريا، وربط كل ذلك بملف إيران… وبالانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
لكنّ العنصر الأشدّ دلالة في الصورة ليس التصريح الأميركي بحدّ ذاته، بل ما يواكبه على الأرض: المنطقة العازلة التي يسميها الجيش الإسرائيلي “الخطّ الأسود” في جنوب لبنان، والتي تحاول إسرائيل إبقاءها تحت سيطرتها بذريعة منع اقتراب “عناصر معادية” من الحدود.
«الخط الأسود»: منطقة عازلة أم عمقٌ احتلالي جديد؟
وفق التصورات الإسرائيلية، ليس “الخط الأسود” مجرد شريطٍ حدودي محدود، بل منظومة انتشار عسكري منظّم تقودها وحدات احتياط، بينها كتيبة الاحتياط 7176، إلى جانب كتائب أخرى. الهدف المُعلن: توفير “عمق دفاعي” داخل الأراضي اللبنانية. أما الهدف العملي، فيبدو أقرب إلى تحويل الجنوب إلى مساحة مراقبة وسيطرة دائمة تُدار بمنطق الأمن الوقائي وفرض الردع، لا بمنطق الإجراءات المؤقتة.
وتكشف التفاصيل المتداولة حول الخطة أن العمليات بدأت أصلاً ضمن عمق يقارب كيلومتراً واحداً عن الحدود، قبل أن يُفتح الباب تدريجياً أمام اتساع أكبر داخل العمق اللبناني. وهنا بالضبط تكمن الخطورة: حين يصبح “الاستثناء” قاعدة، ويتحوّل “التدبير الأمني” إلى خارطة نفوذ جديدة.
مزاجٌ انتخابيّ… يترجم تهديداً مسبقاً للبنان
في المشهد الإسرائيلي الداخلي، خرج وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش بخطاب يتجاوز اللغة العسكرية المتعارف عليها إلى منطق الحتمية السياسية: ضربة على لبنان “حتمية” قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة.
الخطاب ليس تفصيلاً، بل يعكس طريقة التفكير ذاتها:
- ربط “حسم الجبهات” بالاستحقاق الانتخابي،
- وضع سقف زمني مفتوح للحرب قد يمتدّ لأكثر من سنتين،
- تقديم حزب الله وحماس وإيران كجبهة واحدة يجب “إنهاؤها” قبل أن تتراكم القدرات مجدداً.
وبذلك، يصبح الجنوب اللبناني جزءاً من معركة داخلية إسرائيلية أيضاً: حشد انتخابي عبر الأمن، وابتزاز سياسي تحت عنوان “منع إعادة بناء القوة”.
إيران على الطاولة: نتنياهو يبحث عن “ضوء أخضر”
في الموازاة، تطفو إيران إلى الواجهة كعنوانٍ أكثر خطورة. تقارير عدة تتحدث عن أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو سيسعى خلال لقائه دونالد ترامب الأسبوع المقبل إلى الحصول على موافقة أميركية لشن ضربة ضد طهران، مقدّماً رواية أمنية تقول إن إيران تعزّز جهودها النووية وتوسّع برنامجها الصاروخي، وبقدرة إنتاج قد تصل إلى 3000 صاروخ شهرياً، إلى جانب استمرارها في تمويل حلفائها في المنطقة.
وتذهب المقاربة الإسرائيلية هنا إلى منطق “نافذة القرار”:
هل تُترك إيران لإعادة بناء قدراتها الصاروخية والدفاعية؟
أم تُتخذ “خطوة استباقية” بالتنسيق مع الولايات المتحدة لوقف هذا المسار؟
هذه ليست أسئلة تحليلية بقدر ما هي ضغط سياسي مكثّف يُمارس على واشنطن: كل تردّد أميركي يُصوَّر كأنه سماحٌ لإيران بترميم قوتها، وكل رفضٍ للضربة يُحوَّل إلى مخاطرة استراتيجية.
سوريا أيضاً: توسيع “المنطقة الآمنة” من دمشق إلى الجنوب
ولا تقف شهية تل أبيب عند لبنان وإيران. إذ تشير المعطيات إلى أنها تتوقع كذلك رفضاً أميركياً لمطلبٍ آخر: توسيع ما تسميه إسرائيل “المنطقة الآمنة” في سوريا لتصبح شريطاً ممتداً من دمشق وصولاً إلى المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي حالياً في جنوب سوريا.
هنا، تستخدم تل أبيب تطورات الميدان ذريعةً تبريرية: تستند إلى الهجوم الأميركي على “داعش” في سوريا لتقديم سردية مفادها أن الخطر قائم ومحدق، وبالتالي لا انسحاب من أي منطقة قبل ضمانات أمنية كاملة. والمعنى الفعلي لهذه الجملة واضح: ضمانات أمنية تُكتب وفق الشروط الإسرائيلية وحدها، وبسقفٍ مفتوح يسمح بإطالة الاحتلال وتوسيعه.
خريطة واحدة… بثلاث واجهات
ما يجري إذن ليس مجموعة ملفات منفصلة، بل خريطة واحدة بثلاث واجهات:
- لبنان: تثبيت “الخط الأسود” كحزام سيطرة عسكرية داخل الجنوب تحت عنوان المنطقة العازلة.
- إيران: محاولة انتزاع قرار أميركي أو تغطية سياسية لضربة تُعاد تسويقها كضرورة لمنع تعاظم القدرات.
- سوريا: تمديد مفهوم “المنطقة الآمنة” حتى حدود دمشق، وتأجيل أي انسحاب إلى أجل غير محدد.
ووسط هذه الخريطة، يأتي التصريح الأميركي عن “إعادة التسليح” كمفتاح سياسي يفتح الباب أمام الخطاب الإسرائيلي: إذا كانوا يعيدون بناء القوة، فنحن مضطرون للتوسّع، والتثبيت، والضرب.
حين تختار إسرائيل تسمية شريطٍ عازل داخل لبنان بـ”الخط الأسود”، فهي لا تضع مجرد توصيف ميداني، بل ترسم عنواناً لمرحلة: أمنٌ يُترجم تمدداً، وحربٌ تُدار بمنطق الاستحقاق الانتخابي، ومنطقةٌ عازلة تتحوّل إلى واقع احتلالي، فيما تُسحب المنطقة بأكملها إلى معادلة واحدة: لبنان في قلب الابتزاز، سوريا في هامش التوسّع، وإيران كذريعة كبرى لإعادة خلط الأوراق.


