اغتيال الجندي علي عبد الله لم يكن “خطأ عملياتيًّا” ولا ضربة عمياء في طريق صيدا. كان فعلًا مقصودًا لتثبيت معادلة جديدة: إسرائيل لا تكتفي باستباحة الأرض، بل تريد استباحة المؤسسة التي يُفترض أن تحميها. الرصاصة التي أصابت جنديًا داخل سيارة عسكرية لم تُطلق فقط على جسدٍ لبنانيّ، بل على هيبة الجيش وعلى حقّه في أن يبقى المرجعية الوحيدة المتبقية للدولة حين تتآكل كل المرجعيات.
ولأن موازين القوى لا تسمح بردٍّ ميداني، حاولت إسرائيل أن تربح بالجريمة ما تعجز عن تثبيته بالوقائع: سردية جاهزة تُحوّل الاغتيال إلى “مبرر”، وتُحوّل الجندي إلى “متهم”، وتُحوّل الجيش إلى “مشتبه به”. قالت تل أبيب إن الشهيد عنصر في مديرية المخابرات ويتعاون مع حزب الله. أي أنها لم تكتفِ بالقتل، بل أرفقته بمحاولة تشهير تُراد منها ضرب الثقة بالجيش أمام الداخل والخارج، وفتح الباب لاحقًا لاستهدافه بلا كلفة سياسية.
الجيش فهم اللحظة بسرعة. في بلدٍ لا يملك رفاهية الردّ بالنار، ردّ بالنصّ والوثيقة. أصدر بيانًا رسميًا لا يكتفي بالنفي، بل يكسر رواية العدو في أصلها: الشهيد عنصر في لواء الدعم – الفوج المضاد للدروع، وحدة لوجستية غير قتالية. هذا التفصيل ليس إداريًا؛ إنه حجر أساس في معركة أكبر: منع إسرائيل من تحويل الجيش إلى فرعٍ ملحق بسرديتها، ومن تحويل دم الجندي إلى مادة ابتزاز.
ثم تحركت الدولة، أو ما تبقى من أدواتها، لمنع تحويل الحادثة إلى كرة ثلج. تشكلت بسرعة “منصة مؤازرة وهجوم”، لا لتقديم عزاء لفظي، بل لتجفيف الذريعة. شكوى قاسية إلى “الميكانيزم”، وتعبئة دبلوماسية باتجاه السفراء الغربيين، خصوصًا المشاركين في الآلية، لتثبيت الرواية اللبنانية وكشف الغاية الإسرائيلية. وقد ظهر أن بعض العواصم الغربية لا تزال تعتبر الجيش اللبناني “آخر خط استقرار” وتخشى كسر صورته، ما سمح بامتصاص الضربة إعلاميًا ودبلوماسيًا… لكن امتصاص الضربة لا يلغي هدفها.
فما حصل أكبر من اغتيال جندي. إسرائيل تريد ثلاث نتائج دفعة واحدة: أولًا، أن يصبح العسكري اللبناني هدفًا محتملًا في أي لحظة، بذريعة تُفبرك عند الحاجة. ثانيًا، أن يُزرع في الوعي العام أن المؤسسة “مخترَقة”، بحيث يصبح أي دعم لها محلّ تشكيك. ثالثًا، أن يُعاد فتح أخطر أبواب الفتنة داخل الجيش نفسه: تصوير المكوّن الشيعي كأنه جسم غريب أو ناقص الولاء، واعتبار وجوده جنوب الليطاني امتدادًا لحزب الله. هذا ليس تحليلًا؛ هذه هندسة فتنة. هدفها أن يهتز الجيش من داخله، قبل أن يُضغط عليه من الخارج.
والأخطر أن هذا الاستهداف يأتي كرسالة انتقامية مباشرة بعد محطة يانوح. هناك، نجح الجيش في إحباط محاولة إسرائيلية لتبرير استهداف منزل مدني بذريعة “مخزن سلاح”، وتمكن لأول مرة من تعطيل آلية القصف بعد تهديد علني من المتحدث العسكري الإسرائيلي. تلك كانت صفعة للرواية الإسرائيلية: ادعاء يسقط، وهدف يتعطل، وخطاب تهديد يُفرّغ من مضمونه. فجاء اغتيال القنيطرة ليعيد “ضبط الإيقاع” بالقوة: من يجرؤ على إسقاط الذرائع سيدفع ثمنًا.
والتوقيت ليس بريئًا. إسرائيل تعرف أن باريس تُحضّر لاجتماع دعم للجيش في شباط المقبل، مع احتمالات تمويل للتطويع وتجهيزات لوجستية. لذلك أرادت أن تُرسل رسالة إلى الممولين قبل أن يفتحوا محافظهم: الجيش الذي تريدون دعمه “مشبوه”، وأمواله قد تذهب حيث لا تريدون. إنها محاولة مكشوفة لقطع الطريق على التمويل والسلاح والغطاء السياسي، بالتوازي مع عرقلة انتشار الجيش في القرى الحدودية. إسرائيل لا تريد الجيش قويًا ولا حاضرًا. تريد جيشًا محاصرًا: ميدانيًا، ماليًا، ومعنويًا.
لهذا السبب بالذات، كان هاجس المؤسسة العسكرية أكبر من حادثة واحدة: هل تتحول وحداتها إلى أهداف متحركة كما يحدث مع عناصر حزب الله؟ هل يصبح كل جندي سيارة قابلة للاغتيال لأن تل أبيب قررت أن تلصق به تهمة؟ إذا حدث ذلك، ستصبح مهمة الجيش جنوبًا مستحيلة دون كلفة بشرية ومعنوية ضخمة، وستتحول الحدود إلى ساحة استنزاف مقصود.
وفي الخلفية، تتغذى إسرائيل من بيئة سياسية أميركية تعرفها جيدًا: خصوم داخل الكونغرس وبعض دوائر الإدارة يتبنّون أصلًا نظرية “التصاق الجيش بالحزب”. أي أن الاغتيال ليس فقط رسالة لإضعاف الجيش، بل مادة تغذية جاهزة لدوائر تريد خنقه ماليًا وسياسيًا تحت عنوان “عدم الثقة”. هكذا يصبح الجيش مضطرًا للقتال على جبهتين: جبهة الجنوب، وجبهة السمعة في واشنطن.
أما الداخل اللبناني، فقصته أكثر قسوة: الجيش عالق بين توقعات متناقضة تتغذى من الانقسام. فريق يريد منه أن يكون رأس حربة في نزع سلاح المقاومة. فريق آخر يستفزه دخوله إلى مواقع ومخازن مرتبطة بالمقاومة. وفريق ثالث يتهمه بالعجز أو بالتقاعس عن الحصر. في هذه الفوضى، يأتي اغتيال القنيطرة ليصب الزيت على النار: البعض سيقول “إسرائيل لا تكذب”، والبعض سيستثمر الاتهام لضرب المؤسسة، والبعض سيستخدمه لتوتير الشارع. وهذه بالضبط هي المعادلة التي تراهن عليها تل أبيب: تحويل الجيش من نقطة إجماع إلى نقطة نزاع.
ثم نصل إلى العقدة التي تضع كل شيء على الحافة: شمال الليطاني. هنا القرار سياسي قبل أن يكون أمنيًا. الجيش يقول إنه أنجز ما طُلب منه جنوب النهر وفق قراري الحكومة في 5 و7 آب، ويستعد لتقديم تقريره الرابع وربما الأخير. لكنه يتريث، ويُحكم الإمساك بالملف، لأن إسرائيل تملك دائمًا “ذرائع جاهزة”، وأي استعجال قد يُستخدم ضدّه. تمديد المهلة تحت عنوان “استمرار الفحص” ليس تفصيلًا؛ إنه محاولة لمنع العدو من صناعة مبرر جديد.
لكن الخطر الحقيقي يأتي من التسرّع السياسي. المؤسسة العسكرية تريد غطاءً سياسيًا موازيًا قبل أي مهمة شمال الليطاني—اتفاقًا واضحًا، وتوازنًا يقيها من الانزلاق إلى مواجهة مع حزب الله، قد لا تكون عسكرية مباشرة، لكنها قد تتحول إلى صدام شعبي ينهك الدولة ويُسقط آخر ما تبقى من تماسك. من هنا نفهم دعوة الرئاسة الأولى إلى الحذر والهدوء في مقاربة ملف حصر السلاح “وفق الظروف”، ونفهم أيضًا الحساسية التي أثارها إعلان رئيس الحكومة نواف سلام مسبقًا المضي شمال الليطاني من دون تنسيق مع الرئاستين الأولى والثانية، وقبل مراجعة الجيش وانتظار تقريره. المشكلة ليست في الهدف المعلن، بل في الطريقة والتوقيت: أي خطوة ناقصة الغطاء قد تُفجّر الداخل وتُعطي إسرائيل ما تريد.
وفوق كل ذلك، هناك حساب استراتيجي كان مطروحًا: استخدام إنجاز الجنوب كورقة لتحصيل مكسب ميداني عبر انسحاب إسرائيلي موضعي من بعض النقاط. لكن إسرائيل لا تبدو في وارد الانسحاب. بل تربط الجنوب اللبناني بالجنوب السوري، وتتعامل مع الجبهتين كشبكة واحدة ضمن ما تسميه “جبهات الدفاع الجغرافية”، وتنقل “خطوط الحماية” إلى عمق أرض الخصم بدل الاكتفاء بالحدود. أي أن اغتيال القنيطرة ليس فقط استهدافًا، بل جزء من عقيدة: الضغط على كل خطوط الدولة في لبنان وسوريا في لحظة واحدة.
لم تقتل جنديًا. حاولت قتل فكرة الجيش كمرجعية وطنية مستقلة. حاولت زرع الشبهة كبديل عن الثقة، والفتنة كبديل عن الإجماع، والتجفيف المالي كبديل عن الدعم. وإذا لم تُقرأ الحادثة بهذا الحجم، ستتحول إلى نموذج يُكرَّر: اغتيال ثم تهمة ثم ضغط ثم حصار… حتى يصبح الجيش، كما تريد إسرائيل، مؤسسة تتلقى الضربات وتعتذر عن وجودها بدل أن تكون عمود الدولة الأخير.


