قد يبدو المشهد سرياليًا للوهلة الأولى: صاروخ أميركي يسقط في أقصى غرب الكرة الأرضية، في فنزويلا، على مسافة تتجاوز أحد عشر ألف كيلومتر من بيروت… ثم بعد أسابيع أو أشهر، يختفي رغيف الخبز من المائدة اللبنانية أو يقفز سعره إلى حدٍّ يعجز عنه الناس. المسافة الجغرافية شاسعة، لكن الصلة الاقتصادية أقرب مما نتخيّل، والمعادلة أخطر مما تبدو عليه في نشرات الأخبار.
لبنان، بحكم هشاشته البنيوية، لا يعيش في عالمٍ منفصل. أي اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية يترجم فورًا داخل حدوده الصغيرة. ربطة الخبز التي يشتريها اللبناني ليست سلعة محلية خالصة، بل نتاج سلسلة مترابطة تبدأ بسعر المازوت الذي يشغّل الأفران، وتمرّ بسعر النفط العالمي، وتنتهي بقدرة الدولة والاقتصاد على تحمّل الفاتورة. وفنزويلا، التي تجلس فوق أكبر احتياطي نفطي في العالم، ليست تفصيلًا في هذه المعادلة. أي مواجهة عسكرية كبرى هناك تعني قفزة جنونية في أسعار النفط، ومعها ارتفاع تلقائي في كلفة الإنتاج والنقل والطاقة. اقتصادٌ منهك كاقتصاد لبنان لا يملك ترف امتصاص هذه الصدمات، ولا قدرة له على دعم إضافي أو احتواء مفاجئ.
لكن النفط ليس وحده الخطر. هناك عنصر آخر لا يقل أهمية، بل يشكّل شريان حياة فعليًا: الاغتراب اللبناني. في فنزويلا وحدها يعيش مئات آلاف اللبنانيين أو من أصول لبنانية. هؤلاء ليسوا مجرد جالية بعيدة، بل شبكة أمان لعائلات كاملة في الداخل. تحويلاتهم الشهرية هي التي تسدّ فجوات العيش، وتؤمّن الدواء، وتدفع أقساط المدارس، وتغطي اشتراكات المولدات، وتمنع الانهيار الكامل لكثير من البيوت.
اندلاع حرب واسعة في فنزويلا لا يعني فقط دمارًا محليًا، بل تجميد حسابات، شللًا في النظام المصرفي، توقفًا في التحويلات، وربما موجات عودة قسرية لمغتربين يفقدون أعمالهم ومداخيلهم. عودة كهذه لا تشبه “العودة إلى الوطن”، بل تشبه نزوحًا اقتصاديًا عكسيًا نحو بلد عاجز أصلًا عن توفير الحد الأدنى من مقومات الصمود لمواطنيه المقيمين.
والدائرة لا تتوقف عند فنزويلا. أي انفجار كبير في هذا البلد ينعكس على القارة اللاتينية بأكملها. البرازيل والأرجنتين، حيث تعيش جاليات لبنانية ضخمة وفاعلة اقتصاديًا، لن تكونا بمنأى عن الارتدادات. هزّة اقتصادية هناك تعني تراجعًا في الاستثمارات، وضغطًا على العملات، وتقلصًا في التحويلات. ولبنان، الذي يعتمد جزءًا أساسيًا من اقتصاده على أموال المغتربين، سيتلقى الضربة من دون أي وسادة حماية.
الأرقام هنا ليست نظرية. نسبة كبيرة من الناتج اللبناني—بشكل مباشر أو غير مباشر—مرتبطة بحوالات الخارج. هذه الأموال ليست فائضًا أو رفاهية، بل بديلًا عن دولة غائبة، ومصرف مفلس، وشبكة أمان اجتماعي لم تُبنَ أصلًا. إنها ما يبقي الاقتصاد على قيد الحياة، ولو بصعوبة. قطع هذا الشريان، ولو جزئيًا، يعني انتقال الأزمة من خانة “التحمّل القاسي” إلى خانة “الانفجار الاجتماعي”.
لهذا، حين تُقرَع طبول الحرب في فنزويلا، لا يكون الخبر بعيدًا أو هامشيًا بالنسبة للبنان. ليست المسألة تعاطفًا مع بلدٍ آخر، ولا متابعة سياسية مجردة، بل إدراكٌ بأن شظايا الصراع العالمي لا تتوقف عند حدود الجغرافيا. قد تسقط في كراكاس، لكنها تجد طريقها سريعًا إلى بيروت، إلى سوقها، إلى فرنها، وإلى جيب مواطنيها.
في عالم مترابط إلى هذا الحد، لم يعد السؤال أين تندلع الحرب، بل من سيدفع ثمنها في النهاية. وفي الحالة اللبنانية، الجواب غالبًا معروف مسبقًا: الخبز أولًا.


