رتّبت إسرائيل أولوياتها على نحوٍ لا يترك مجالاً كبيراً للّبس. بعد لقاءات واشنطن بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، عاد ملف إيران ليتصدر الواجهة، لكن من دون أن يُسقِط لبنان من الحساب. الفرق أن الجبهة اللبنانية، التي بدت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية كأنها مركز الثقل الوحيد، تراجعت خطوة إلى الوراء… لا لأن الخطر انحسر، بل لأن تل أبيب بدأت تتعامل معها كجزء من “هندسة التوقيت” في معركة أكبر.


في تل أبيب يدور الحديث اليوم حول سيناريوهين متوازيين، كلاهما يحمل لبنان في جيبه. الأول يفضّل ضرب حزب الله أولاً، أو توجيه ضربة قاسية تُضعفه إلى الحد الذي يضمن “شلّ” قدرته على أي تحرك عندما تبدأ مواجهة إيران. والثاني يذهب إلى ضرب إيران قبل كل شيء، خشية أن تبادر طهران إلى ضربة استباقية تربك إسرائيل وتفرض عليها إيقاعاً لا تريده. وبين السيناريوهين، لا يوجد خيار ثالث: لبنان ليس خارج المعادلة، بل داخلها كمرحلة، أو كارتداد، أو كجبهة تُفتح لتعديل التوازنات.


الأخطر أن هذا النقاش لا يُقدّم كفرضيات إعلامية، بل كمنطق عملياتي يترافق مع لغة رسمية متصاعدة. مهمة إسرائيل، وفق خطابها الأمني، باتت “واضحة”: إضعاف حزب الله إلى نقطة تصبح فيها الدولة اللبنانية قادرة على التعامل معه. هكذا تُقدّم تل أبيب نفسها كأداة “تمكين” للدولة، وتُلبس التصعيد ثوب “المصلحة المشتركة” مع واشنطن وبيروت. في الجوهر، هذا ليس توصيفاً بريئاً، بل صياغة جديدة لشرعية العدوان: تحويل الحرب إلى “خدمة” سياسية داخلية يُفترض أن يشكرها اللبنانيون عليها.


في المقابل، يعلن الجيش الإسرائيلي جهوزيته هجوماً ودفاعاً على كل الجبهات. سلاح الجو يكثّف استعداداته لضرب إيران، فيما الوحدات العسكرية وقيادة الشمال تُنهي اللمسات الأخيرة لخطط الهجوم على لبنان، بانتظار أوامر الضربة. المشهد هنا ليس استعداداً عاماً، بل توزيع أدوار: السماء لإيران، والحدود الشمالية للبنان، والتوقيت واحد—معلّق على قرار سياسي مرهون بحساباتٍ مركبة تتداخل فيها الضغوط والدلالات والرسائل.


وبينما تُروَّج في الإعلام الإسرائيلي تسريبات عن “ضوء أخضر” أميركي لاستهداف لبنان، يجري ربط القرار النهائي بعنصرين: مسار الملف الإيراني أولاً، ثم ما ستخرج به الحكومة اللبنانية يوم الخميس، سواء في مضمون قراراتها أو في ما سيُعرض أمامها من تقارير تتصل بخطة حصر السلاح. كأن تل أبيب تقول بوضوح: نحن نراقب “سلوك” الدولة اللبنانية، ونقرأه كإشارة توقيت. فإذا لم تأتِ الإشارات كما نريد، سننتقل إلى الفعل.


ضمن هذا الإطار، تكتسب اجتماعات “الميكانيزم” دلالة إضافية. ليست مجرد لجنة مراقبة، بل ساحة ضغط مصممة لتضييق الخيارات وإعادة تعريف النقاش: تل أبيب تريد اجتماعاً منزوعاً من أي حضور مدني، محصوراً بسبل نزع سلاح حزب الله وإضعافه، لا بالنظر في الاحتلال والخروقات والتوغلات. أي أنها تحاول تحويل آلية وقف النار إلى غرفة تفتيش سياسية وأمنية، هدفها الوحيد إنتاج “أوراق التزام” لبنانية—بينما تحتفظ إسرائيل لنفسها بحق المبادرة والتصعيد.


هكذا تتشكل المعادلة القاتمة: مسار تقني يُدار شكلياً على الطاولة، ومسار عسكري يتقدم فعلياً على الأرض. وبينهما، تضيق المسافة يوماً بعد يوم. ما يُقال اليوم في تل أبيب ليس أن الضربة على لبنان “ممكنة”، بل أنها “قيد التوقيت”. والفرق بين الاثنين ليس تفصيلاً لغوياً: إنه الفاصل بين تهديدٍ قابل للتراجع وخطةٍ تبحث عن لحظة التنفيذ.


وفي النهاية، فإن تراجع لبنان في العناوين لا يعني أنه تراجع في خرائط النار. هو فقط خرج من واجهة الصورة إلى قلبها: جزء من خطة أوسع، وساحة اختبار لإثبات الجدية، ورسالة تُرسل إلى طهران بقدر ما تُرسل إلى بيروت. وحين يصبح لبنان “على الساعة”، لا يعود السؤال: هل ستقع الضربة؟ بل: متى تُقرَّر اللحظة التي تُفتح فيها الجبهة؟