دخلت قضية الفنان فضل شاكر منعطفاً قضائياً جديداً مع انطلاق جلسات وُصفت بأنها فاصلة أمام القضاء العسكري. وإذا كانت الجلسة الأولى قد مرّت بقدرٍ من العمومية، فإن الجلسة الأخيرة حملت إيقاعاً مختلفاً: استجواب مطوّل، أسئلة متشعّبة، ومحاولة واضحة لانتزاع رواية متماسكة حول أربع قضايا متشابكة تعود خيوطها إلى مرحلة عبرا وصعود مجموعة الشيخ أحمد الأسير، وما تفرّع عنها من اتهامات مالية وأمنية وإعلامية.
تفكيك الاتهامات: “لم أموّل… حاولت النجاة”
بخلاف ما تُثبته لوائح الادعاء، بنى شاكر دفاعه على فصلٍ صارم بين “العلاقة” و”الدعم”. فهو لا يعترف بأي تمويل، لا نقداً ولا تجهيزاً ولا تغطيةً لوجستية، ويقدّم نفسه كشخص حوصر بالخوف، ثم قاده ذلك إلى خيارٍ يعتبره اضطرارياً: الاحتماء داخل محيط مسلح في لحظةٍ كانت ـ وفق سرديته ـ تتقدم فيها التهديدات على القانون، ويُستبدل فيها المنطق الطبيعي بمنطق البقاء.
وفي هذا السياق، روى أمام المحكمة ما يعتبره سلسلة وقائع دفعته إلى التواري: إحراق منزل، خسارة ممتلكات وأموال، انتقال قسري إلى مخيم عين الحلوة، ثم الارتهان لحماية جماعة كانت تملك نفوذاً أمنياً على الأرض. بهذه الرواية يحاول أن يقول إن وجوده كان “درعاً” لا “سلاحاً”، وإن اقترابه من الأسير لم يكن تحالفاً بل مخرجاً مؤقتاً من دائرة الخطر.
أربعة ملفات في استجواب واحد
الاستجواب لم يقتصر على زاوية واحدة. المحكمة وسّعت الأسئلة لتشمل أربع مسارات تُلاحقه فيها النيابة العسكرية: شبهة الإسهام في تمويل مجموعات مسلحة، ملف اشتباكات عبرا وما يتصل بالاتهام بالمشاركة ضد الجيش، ملف يُدرج ضمن خانة تمويل جماعات تُصنَّف إرهابية في الإطار نفسه، ثم ملف منفصل يتصل بتصريحات إعلامية سابقة اعتُبرت مسيئة للجيش ومهاجمة لقيادات داخل البيئة السنية.
ما يميّز هذا الاستجواب أنه لم يكن مجرد تثبيت وقائع، بل اختبارٌ لمدى تماسك الإجابات تحت الضغط، ولقدرة المتهم على ضبط التفاصيل وعدم الوقوع في تناقضات قد تقلب المشهد عليه.
عبرا: الاعتراف بالحضور… وإسقاط دور المقاتل
أمام أكثر النقاط حساسية، لم ينف شاكر وجوده في مسرح الأحداث، لكنه حاول إسقاط المعنى القانوني لهذا الوجود. خط دفاعه هنا يقوم على معادلة واحدة: “كنت هناك من دون أن أكون جزءاً من المعركة”. هو يتحدث عن بقائه في مكانٍ محدد، وعن عدم مشاركته في إطلاق نار أو اشتباك، نافياً أي صلة مباشرة بإصابة أو مقتل عناصر من الجيش.
ولتعزيز مسافة “الاختلاف” بينه وبين الأسير، قدّم رواية عن تدهور العلاقة لاحقاً وانقطاعها بسبب خلاف شخصي، في محاولة لإظهار أنه لم يكن ضمن دائرة القرار أو القيادة أو التخطيط.
الجلسة المقبلة: المواجهة لا السرد
القضاء العسكري أنهى الاستجواب وحدد موعد الجلسة التالية في 12 شباط. لكن أهمية الموعد لا تأتي من كونه استكمالاً روتينياً، بل لأنه مرشح ليكون جلسة مواجهة فعلية: مواجهة مع الأسير نفسه، ومواجهة مع شهود سبق أن أدلوا بإفادات تُستخدم لتثبيت الاتهام.
في المقابل، تعمل الجهة القانونية التي تتولى الدفاع عن شاكر على فتح ثغرة مضادة داخل المسار القضائي، عبر طلبات لإحضار شاهدين جديدين، بهدف تقديم معطيات داعمة لروايته وتعديل ميزان الشهادات.
مسار مفتوح… والحكم رهن الأدلة
المعطيات تشير إلى أن القضية لن تُحسم سريعاً. فالتهم متعددة، والمرويات متضاربة، والفيصل ليس الانطباع بل ما سيثبت أمام المحكمة: تطابق الأقوال مع المحاضر، قوة الوثائق، واتساق الشهادات. بين سردية “النجاة” التي يطرحها شاكر وسردية “الدور” التي تتبناها جهة الادعاء، تتقدم المحاكمة خطوة خطوة نحو قرار نهائي سيُبنى على التدقيق لا على الصدى الإعلامي.
الأسير وشاكر تحت سقف “الجنايات”: 13 عاماً على عبرا… والخصومة تدخل المحكمة
ثلاثة عشر عاماً مرّت منذ عبرا، لكنّ عبرا لم تمرّ. عاد الاسمان الأكثر التصاقاً بتلك المرحلة إلى المشهد في لحظة واحدة، ومن مكان واحد، ولأول مرة وجهاً لوجه منذ 2013: الشيخ أحمد الأسير والفنان فضل شاكر. لا مسجد، لا منبر، ولا “شعبية” في الخارج… بل قاعة محكمة جنايات بيروت في الطابق الثالث من قصر العدل، حيث تُدار المعارك بالكلمات والملفات لا بالرصاص.
جلسة الجنايات لم تُفتح على “ملف عبرا” مباشرة، لكنها كانت مشدودة إليه كظلّ ثقيل لا يغادر. القصة تتعلق بدعوى قدّمها مسؤول “سرايا المقاومة” في عبرا هلال حمود ضد الأسير وشاكر وبعض عناصرهما، بتهمة محاولة قتله في إشكال وقع قبل الأحداث الأساسية بفترة قصيرة. عنوان جانبيّ على الورق… لكنه يجرّ معه كل ما تحت العنوان الكبير.
“العدلية” على أعصابها… ولا صورة تُلتقط
منذ الصباح بدا قصر العدل كأنه يستعد لملفٍ محاط بالحساسية. عناصر مخابرات الجيش وأجهزة أمنية في المداخل والممرات، إجراءات مشددة، وضبط حركة الدخول والخروج. الهدف كان واضحاً: إدخال الرجلين إلى القاعة تمام الساعة 11، من دون أن يحصل أحد على صورة لهما أو لأحدهما في الممرات.
حتى الإحضار جاء برسالة فصلٍ مقصود:
- فضل شاكر أُحضر من مكان توقيفه في وزارة الدفاع في اليرزة بمواكبة مديرية المخابرات.
- الشيخ أحمد الأسير نُقل من سجن رومية بمواكبة شعبة المعلومات.
وصل كل منهما من جهة مختلفة. كأن الدولة نفسها تريد القول: لا لقاء إلا أمام القاضي… ولا مشهد خارج القاعة.
هيئة الأسير… ونظارات شاكر: المحكمة تفرض إيقاعها
دخل الأسير مرتدياً عباءة بنية وقلنسوة، فيما الشيب احتل لحيته تقريباً بالكامل. شاكر دخل بــسترة سوداء ونظارات سوداء. هنا تدخّل رئيس المحكمة القاضي بلال ضنّاوي فوراً: “انزعها”. شاكر قال إنها نظارات طبية. القاضي لم يقبل.
جلس الرجلان متباعدين. بالكاد تبادلا النظرات. الخلاف كان حاضراً بلا شرح، والأسير رفض أن يقول لماذا. لكنّ صمت الاثنين كان أفصح من أي تفسير.
“كنت نائماً”… و”لا فصيل”: شاكر يبني جدار الدفاع
عندما جاء دور فضل شاكر، بدأ من جملة واحدة: لا فصيل مسلح. كرر أن ما كان حوله مجرد “حماية” وأنه يتمسك بإفادته السابقة أمام مخابرات الجيش.
المحكمة لم تكتفِ بالشعار. القاضي ضنّاوي طرح السؤال الذي يُسقط العبارات العامة:
كيف تفسّر وجود مدفع “هاون” ضمن المضبوطات مع عناصره بعد عبرا؟
هنا قدّم شاكر رواية تفصيلية: قال إنه اضطر إلى تشكيل مجموعة بعد تعرضه لابتزاز مالي من رئيس بلدية حارة صيدا سميح الزين (أبو مشهور). تحدّث عن أكثر من 50 مسلحاً موزعين على أسطح المباني المحيطة بمنزله، وقال إن الأجهزة الأمنية كانت تعلم وغضّت النظر. ثم قال إنه حاول شركة أمن، قبل أن يقترح نجل شقيقه أن تتولى العائلة حمايته. هكذا تشكلت مجموعة من 12 شخصاً يرأسها شقيقه عبد الرحمن شمندر (أبو عبد شمندور) الذي قُتل لاحقاً في عبرا.
وأقرّ شاكر بأنه كان يدفع المال لمجموعته لشراء السلاح، لكنه قال إنه لا يعرف نوع الأسلحة التي كانوا يشترونها.
سأله القاضي: لماذا لم تشتكِ؟
أجاب: لأنه كان مهدداً من النظام السوري السابق ولأن الدولة لم تكن “موجودة على الأرض”. ثم رفع السقف أكثر: منزله أُحرق وسُرق منه مليون دولار.
في ملف هلال حمود، أنكر شاكر معرفته به، وقال إنه لم يلتقه يوماً، وإنه كان نائماً لحظة الإشكال. ثم اتهم حمود بأن الدعوى ابتزاز مالي. غير أن القاضي واجهه بسؤال يضرب في صميم الرواية: إذا كانت ابتزازاً، لماذا أسقط حمود دعواه الشخصية؟
شاكر أجاب: أسقطها مقابل مبلغ مالي نُقل عبر وسيط.
الأسير يقطع الشك: “حتى مكبرات الصوت بإذني”
عندما جاء دور الشيخ أحمد الأسير، قدّم دعماً مباشراً لفضل شاكر في هذه الواقعة تحديداً: قال إن فضل لم يطلق النار ولم يهدد حمود. ثم أعطى تفصيلاً يريده حاسماً: فضل لم يكن يستطيع استخدام مكبرات صوت المسجد من دون إذنه. وأضاف أنه كان على خلاف معه في تلك الفترة، ما يعني—وفق منطقه—أن شاكر لم يكن في موقع يسمح له بالتهديد، “فكيف يطلق النار؟”.
لكن الأسير ذهب إلى أبعد من الواقعة، معتبراً أن الدعوى أُطلقت بدفع من حزب الله، رداً على دعوى كان قد تقدم بها سابقاً بعد مقتل مهندسين من مجموعته على يد مناصرين للحزب في صيدا.
النيابة العامة: “تناقض”… وشاكر: “تحاولون الإيقاع بي”
الجلسة لم تخلُ من احتكاك. ممثل النيابة العامة القاضي ميشال الفرزلي اعتبر إفادة شاكر متناقضة. شاكر ردّ باتهام مباشر: “تحاولون الإيقاع بي”.
وعندما سُئل عن مقتل أخيه في صفوف مجموعة الأسير خلال عبرا، بينما يقول إن مجموعته منفصلة، أجاب بأنه لا سلطة له على عناصره وأنهم كانوا يتحركون منفردين وفق ما تقتضيه الظروف.
“كنت على خلاف مع الأسير”… وملف التسوية مع مخابرات الجيش
شاكر عاد ليؤكد أن الاتهامات “مبالغ فيها”، وكشف أنه كان على خلاف مع الأسير قبل عبرا بسبب “تجاوزات” لعناصر مجموعة الأسير لم يسمّها. وقال إن الأسير طلب منه مغادرة المنطقة مع مرافقيه، ما دفعه—بحسب روايته—إلى بدء مفاوضات مع مخابرات الجيش لتسوية أوضاع مرافقيه ووقف الملاحقات، وكان يتواصل بهذا الشأن مع العميد محمد الحسين. لكن اندلاع عبرا قطع الطريق على التسوية.
الأسير: “كتائب المقاومة الحرة”… وميقاتي وشربل في الرواية
الأسير بدا أكثر هدوءاً وتماسكاً. اعترف بأنه شكّل مجموعة مسلحة باسم “كتائب المقاومة الحرة” قبل عبرا بثلاثة أشهر، مبرراً ذلك بتقصير الأجهزة الأمنية في حمايته وأتباعه بعد مقتل المهندسين، وتصاعد الاعتداءات وصولاً—وفق قوله—إلى محاولة “الحزب” و”السرايا” قتل ابن وشقيق الأسير، إضافة إلى تهديدات إسرائيلية باجتياح الجنوب.
ثم فجّر تفصيلاً سياسياً ثقيلاً: قال إنه أبلغ رئيس الحكومة حينها نجيب ميقاتي بتشكيل المجموعة، لكن ميقاتي طلب منه ألا يعلن عنها. وقال إن وزير الداخلية الأسبق مروان شربل لم يمانع، واعتبر أن للجنوب “خصوصيته”.
أما عن خلافه مع شاكر، فكرر أنه لن يكشف سببه، وتمسّك بالتحفّظ كما فعل في التحقيقات. ثم قال عبارة تلخّص طريقة إدارة العلاقة داخل القاعة:
“ولا تنسوا الفضل بينكم”… فضل أخي وأحبه ولو كنّا على خلاف. وختم بجملة فاصلة: فضل شاكر لم يمول مجموعتي نهائياً.
6 شباط: ساعة المدّعي ومرافعة النيابة… قبل الحكم
في نهاية الجلسة، استجوب القاضي ضنّاوي ثلاثة متهمين آخرين، ثم رفع الجلسة إلى 6 شباط المقبل، موعد الاستماع إلى إفادة المدّعي هلال حمود، ثم مرافعة النيابة العامة، قبل أن تتجه المحكمة إلى إصدار الحكم النهائي.
في قاعة الجنايات، لم يكن المشهد لقاءً عابراً بين رجلين. كان إعادة تمثيل للقطيعة التي صنعتها عبرا، لكن هذه المرة بصيغة قانونية: كل طرف يقدّم روايته، وكل كلمة تُوزن، وكل صمت يُقرأ… فيما ظلّ السؤال الأكبر يتنفس بين الجدران: هل تُحاكم الواقعة وحدها… أم يُحاكم الزمن كلّه؟


