في الجنوب اللبناني، تبدو الضربات الإسرائيلية وكأنها تُكتب على شكل “ملفّ مبرّرات” أكثر مما تُنفّذ كعملية عسكرية معزولة. فالجيش الإسرائيلي أعلن سلسلة غارات قال إنها استهدفت مستودعات سلاح ومراكز تدريب وبنى تحتية عسكرية تابعة لحزب الله، مقدّماً ذلك كدليل على ما يصفه بمحاولة الحزب إعادة ترميم قدراته القتالية. وفي روايته، لا يتعلق الأمر بغارات “روتينية”، بل برسالة مزدوجة: اتهام مباشر بخرق التفاهمات القائمة بين لبنان وإسرائيل، وإعلان نية استمرار الانتشار العسكري بحجة حماية البلدات الإسرائيلية في الشمال ودرء أي تهديد محتمل.


لكن خلف البيانات، تتحرك ماكينة سياسية ـ إعلامية في تل أبيب تعمل على تثبيت عنوان واحد: “حزب الله يعيد بناء القوة… إذن نحن مضطرون للتصعيد”. مصادر عسكرية إسرائيلية تتحدث عن أسباب متعددة تجعل إسرائيل، بحسب ادعائها، مؤهلة لشن هجوم أوسع، وتقول إن هذه الأسباب أُبلغت بها الولايات المتحدة. وفي تقديرات متداولة في الإعلام الإسرائيلي، يُقدَّم الحزب كطرف لا يزال يراكم قدراته ويواصل تدريب عناصره، بما يجعل إسرائيل—وفق المنطق نفسه—أمام “لا خيار” سوى تنفيذ عملية لوقف هذه التهديدات.


الأخطر ليس مضمون الاتهام بحد ذاته، بل محاولة تحويله إلى “إجماع”. في إسرائيل، يجري تسويق حالة قريبة من التعبئة: قيادة سياسية وأمنية وعسكرية تتقاطع على فكرة أن الضربات يجب أن تتصاعد، وإعلام رسمي يروّج لهذه المقاربة على أنها ضرورة أمنية لا قراراً سياسياً قابلاً للنقاش. والركيزة الأساسية في هذا الخطاب هي الحديث عن تهديد “العمق الإسرائيلي”: صواريخ يُقال إنها قادرة على الوصول إلى تل أبيب، وحيفا، وما أبعد من حدود الشمال، وأن معالجة هذا الخطر تستوجب عملاً عسكرياً أكثر اتساعاً.


ومع ذلك، تكشف الطبقات الثانية من الرواية الإسرائيلية عن حدود التحرك. فبينما تُحضّر وسائل الإعلام جمهورها لفكرة “عملية واسعة”، تتحدث تسريبات أخرى عن أن ما تملكه إسرائيل حالياً هو أقرب إلى ضوء أخضر أميركي لعمليات محدودة وبسقف مضبوط في جنوب لبنان، لا لتكرار سيناريو عملية واسعة النطاق كالتي شهدتها الفترة الماضية. أي أن تل أبيب تحاول رفع السقف في الخطاب، لكنها تُدير حركتها الميدانية ضمن هامش أميركي ضيق، على الأقل حتى الآن.


بهذا المعنى، تبدو الغارات جزءاً من معادلة ضغط متدرجة: بناء سردية عن “إعادة إعمار القوة” لتبرير استمرار الضربات، وتوسيع دائرة “التهديد” لتبرير أي انتقال لاحق إلى مرحلة أعلى، مع إبقاء الباب موارباً أمام عامل الحسم الحقيقي: قرار سياسي يرتبط بحدود الضوء الأخضر الأميركي، لا فقط بما تعلنه القيادة العسكرية الإسرائيلية عن “ضرورات الأمن”.