دخل اسم رئيس الحكومة اللبنانية السابق نجيب ميقاتي مجددًا إلى دائرة الضوء القضائي الأوروبي، لكن هذه المرّة من بوابة باريس. فوفق معطيات متداولة، باشر القطب المالي الوطني في فرنسا (PNF) خلال الأسبوع الماضي تحقيقًا تمهيديًا على خلفية شكوى تقدّمت بها جمعيات مكافحة فساد، كانت قد أودعت أساسها في نيسان/أبريل 2024، قبل أن تُستكمل في عام 2025 بملحق معلوماتي يتضمّن عناصر إضافية وتفاصيل أوسع حول مسار تكوين ثروة العائلة وأصولها داخل فرنسا وخارجها.
التحقيق التمهيدي في القانون الفرنسي لا يعني إدانة ولا يساوي اتهامًا نهائيًا، لكنه في الوقت نفسه ليس إجراءً شكليًا: إنه إعلان رسمي بأن الشبهة—بحسب معيار النيابة—باتت كافية لتبرير التثبت، وجمع المستندات، وتقصّي مسارات المال، وفتح قنوات تعاون عند الحاجة.
شكوى 2024… وملحق 2025: “عتبة الاشتباه”
الشكوى التي كانت قد تقدّمت بها الجمعية الفرنسية “شيربا” بالتعاون مع تجمع يضم مودعين لبنانيين متضررين من حجز الودائع، وُجهت فيها اتهامات إلى ميقاتي وشقيقه طه وعدد من أفراد العائلة، وتنوّعت توصيفاتها بين شبهة تبييض أموال، وإخفاء/حيازة متحصلات جرمية، والمشاركة ضمن إطار منظّم. وفي 2025، عادت الجهات المدعية بملحق يقول إنه يشرح بصورة أدق “الظروف التي يُشتبه بأنها احتيالية” والتي مكّنت—وفق روايتها—من تكوين أجزاء من الثروة عبر قنوات واستعمال وسطاء بما قد يرتّب قابلية للملاحقة في فرنسا.
محامي “شيربا” ومؤسسها وليام بوردون اعتبر، في سياق دفاعه عن جدّية الملف، أن العناصر الإضافية كانت كافية لفتح الباب أمام تحقيق في أفعال يصفها بأنها شديدة الخطورة، خصوصًا في باب تبييض الأموال.
خريطة الأصول: عقارات فاخرة، استثمارات، يختان وطائرات
من أبرز ما يلفت في مضمون الشكوى، ليس فقط طبيعة الاتهامات، بل “جردة الأصول” التي أُدرجت ضمنها. إذ تتحدث الشكوى عن عقارات في فرنسا—خصوصًا في باريس وعلى الريفييرا—وأخرى في موناكو وسان جان كاب فيرا، منسوبة إلى ميقاتي أو مقربين منه. كما تشير إلى استثمار مرتبط بدار الأزياء Façonnable، وإلى يختين تُقدّر قيمتهما بنحو 100 و125 مليون دولار يُنسب أحدهما إلى نجيب ميقاتي والثاني إلى طه ميقاتي، فضلًا عن طائرتين خاصتين.
هذه اللائحة، حتى لو بقيت ضمن إطار الادعاء، ترسم الإطار الذي تتحرك ضمنه النيابة: تتبع ملكية الأصول، مصادر التمويل، مسارات التحويل، ودور الشركات الوسيطة حيث وُجدت.
“بنك عوده”: دخول ممول بقروض من المصرف نفسه
تخصص الشكوى حيّزًا أساسيًا لما تعتبره “نقطة مفصلية” في مسار الثروة والنفوذ المالي: دخول الأخوين ميقاتي إلى رأسمال بنك عوده عام 2010. بحسب ما يورده مقدّمو الشكوى، تم تمويل شراء نحو 11% من رأسمال المصرف—ارتفعت لاحقًا إلى 14%—بقروض تبلغ قيمتها نحو 300 مليون دولار منحها المصرف نفسه.
هنا تطرح الشكوى سؤالًا قانونيًا مزدوجًا:
- في قانون التجارة، ثمّة قيود على تملك حصص كبيرة في شركة عبر قروض تمنحها الشركة نفسها أو تضمنها.
- وفي قانون النقد والتسليف وتعليمات مصرف لبنان، توجد ضوابط صارمة على إقراض المساهمين، وعلى رهن الأسهم المشتراة بقرض، مع الإشارة إلى أن منح قرض هدفه شراء أسهم المصرف ذاته يدخل ضمن مناطق الحظر أو القيود المشددة.
وتضيف الشكوى أن العملية نالت—وفق روايتها—معاملة خاصة من مصرف لبنان في ذلك الوقت، تمثلت بطريقة احتساب الحصص وعدم جمعها ضمن كيان واحد، بل التعامل معها كحصص تعود إلى كيانات مستقلة، بما يسمح عمليًا بتفادي سقوف النسب والقيود التنظيمية.
في المقابل، تنقل روايات مقابلة صادرة عن جهة مصرفية مطلعة على تلك المرحلة أن العملية جرت وفق الأصول، وتحت إشراف مصرف لبنان، وأن الملف مطروح منذ سنوات في الإعلام ولم يثبت ارتباطه بشبهة. كما يُشار إلى أن المدعية العامة الاستئنافية السابقة في جبل لبنان غادة عون كانت قد سعت قبل تقاعدها إلى فتح تحقيق جديد في لبنان حول تلك العملية وتوسيع دائرة الملاحقات لتشمل رياض سلامة ونجيب وطه ميقاتي.
الاتصالات في التسعينات: امتيازات BOT وشبهة “تصريح ناقص”
على خط آخر، تعود الشكوى إلى التسعينات لتضع مسألة منح تراخيص تشغيل الهاتف الخليوي في لبنان ضمن سياق “امتيازات محتملة وإساءة استعمال وظيفة”. فبحسب الرواية المقدمة، حصلت شركتا LibanCell وCellis في 1994 على تراخيص بنظام BOT لمدة عشر سنوات في ظل ظروف سياسية حساسة زمن الوجود السوري. وتقول الشكوى إن وضع الشركتين شبه الاحتكاري أدى لاحقًا إلى اتهامات بالتقصير في التصريح عن واردات بما حرم الخزينة من مبالغ كبيرة، ما دفع الدولة إلى فرض غرامة مجمّعة قُدرت بنحو 600 مليون دولار اعترضت عليها الشركتان.
وتضيف أن التسوية السياسية في ذلك الوقت—بعد تدخل رئاسي وحكومي—قادت إلى إحالة الغرامات إلى تحكيم دولي، انتهى، وفق ما يرد في الرواية، إلى اتجاه يفضي إلى تعويض يفوق 100 مليون دولار تتحمله الدولة. كما تُلمّح الشكوى إلى شبهات مماثلة تتصل بتوسّع أعمال اتصالات لاحق في المنطقة في مطلع الألفية.
هذه الوقائع، إن عادت لتُقرأ قضائيًا، ستكون محكومة بمسائل أساسية: تقادم الجرائم، طبيعة المستندات، وصلة الفعل بالمنصب العام إن وُجدت.
ليختنشتاين وخيط الـ14 مليون دولار: ظلّ تحقيقات رياض سلامة
في زاوية أخرى، يرد عنصر ذو طبيعة عابرة للحدود: طلب تعاون قضائي من سلطات ليختنشتاين إلى لبنان في حزيران/يونيو 2022 ضمن تحقيق بتبييض أموال يستهدف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة. وتقول المعطيات إن السلطات أشارت إلى اتفاق يعود إلى كانون الثاني/يناير 2016 بين شركة يملكها سلامة في سويسرا وشركة مرتبطة بميقاتي (M1). وبموجب ذلك الاتفاق، حصل تحويل بقيمة 14 مليون دولار في آب/أغسطس 2016 من طه ميقاتي إلى حساب شركة مسجلة في ليختنشتاين ولها حساب في سويسرا.
هذا الخيط لا يقدم حكمًا بحد ذاته، لكنه يشرح لماذا يظهر اسم ميقاتي—ولو بشكل جانبي—في ملفات تتقاطع مع تحقيقات دولية أوسع تتصل برياض سلامة ومسارات تحويلات مالية خارج لبنان.
شركات واجهة وملاذات ضريبية… والرد: “لا إدانة في أي بلد”
الشكوى تذهب أبعد من الوقائع المحددة لتطرح فرضية استخدام شركات واجهة وملاذات ضريبية واستثمارات في قطاعات ضعيفة التنظيم داخل دول نزاعات كوسائل محتملة لتبييض الأموال. وفي خلفية هذا الاتهام، يعود ذكر تسريبات “وثائق بنما” و“وثائق باندورا” التي تناولت استعمال هياكل شركات خارجية لشراء عقار في موناكو، وهي وقائع سبق لميقاتي أن نفى ارتباطها بأي احتيال.
وفيما تعذّر التواصل الفوري المباشر مع ميقاتي ضمن الرواية المنقولة، ينقل مقربون منه موقفًا دفاعيًا يعتبر ما يجري “حملة منظّمة” تستهدفه، ويصف الاتهامات بأنها تشويه وتضليل، مع التلويح بإجراءات قضائية ضد من يصفهم بـ“المنفذين والممولين”. ويستند هذا الدفاع إلى فكرة محورية: عدم صدور إدانات نهائية بحق العائلة أو المجموعة العائلية في لبنان أو الخارج.
سوابق قضائية: “عدم ملاحقة” في بيروت وإسقاط في موناكو
ولأن الملف يتصل بأسماء ذات حضور سياسي ومالي كبير، فإن سوابقه القضائية تتحول إلى جزء من السردية العامة. ففي شباط/فبراير 2022، صدر في بيروت قرار بـ“عدم الملاحقة” في قضية “القروض المدعومة” التي كانت قد تحركت ضد نجيب ميقاتي وشقيقه طه ونجله ماهر، على أساس سقوط الوقائع بمرور الزمن وفق تفسير قضائي طُعن به من جمعيات حقوقية ومدنية. وفي موناكو، سُجل في آب/أغسطس 2023 إسقاط ملاحقات مرتبطة بتهم الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال لعدم كفاية الأدلة بحسب ما ورد.
في المقابل، يرى مقدمو الشكوى الحالية أن قرار فتح التحقيق في فرنسا يحمل “إشارة سياسية وقضائية” لكونه يعيد فتح الباب من منصة قضائية يُنظر إليها كأشد صرامة في الملفات المالية العابرة للحدود، فيما يعتبر محامي “شيربا” أن المسار الفرنسي يضيف عنصر ضغط جديدًا “ومنفذ أمل” للبنانيين في مواجهة منظومة يعتبرون أنها تقاوم المحاسبة.
ما الذي يعنيه التحقيق الفرنسي الآن؟
عمليًا، التحقيق التمهيدي يعني أن النيابة الفرنسية قد تتحرك لجمع مستندات، والتحقق من ملكية أصول، وتتبع تحويلات، والاستماع إلى أطراف، وربما طلب تعاون قضائي من دول أخرى أو من لبنان عند الضرورة. وهو كذلك يضع الملف في خانة “التدقيق المنهجي” بدل الاكتفاء بسجالات إعلامية.
أما سياسياً، فالقضية تتجاوز شخص ميقاتي: إنها تعيد طرح سؤال أوسع عن العلاقة بين الثروة والسلطة في لبنان، وعن قابلية الملفات المالية الكبرى لأن تُفتح من الخارج حين تسدّ أمامها الأبواب في الداخل، وعن المسافة بين “عدم الإدانة” كحجة دفاع، و“حق النيابة بالتحقق” كأداة قانونية في دولة تعتبر نفسها معنية بمكافحة غسل الأموال على أراضيها.


