هذه إسرائيل: ليست دولة. بل عطشٌ مُقنَّع، يتقدّم بثقةٍ لأن أحداً في الغرب قرّر أن يغفر له سلفاً. عطشٌ لا ترويه الى الدماء؛ فكلما شرب دماراً طلب معه قتلاً إضافياً. وكأن الخراب عنده مشروبٌ ثانٍ يُكمّل النشوة. كيانٌ يبدّل أسماء الجرائم كما يبدّل الطيارون مساراتهم: مرّةً “ردع”، مرّةً “استباق”، مرّةً “أمن قومي”… قاموسٌ لامعٌ يُلمّع الفعل ذاته: أن تُستباح الأرض، وأن تُهان السيادة، وأن يتحوّل القانون الدولي إلى لافتةٍ مُعلَّقة على بابٍ مُغلق لا يفتحه أحد.
هي لا توقّع الاتفاقات لأنها تحترمها، بل لأنها تحتاجها كورقة تينٍ سياسية: توقّع لتكسب وقتاً، ثم تنقض لتكسب أرضاً. تُصافح بيدٍ، وتُعدّ الغارة باليد الأخرى. تُعلن الهدنة بصوتٍ منخفض، ثم ترفع القصف كأنه “تصحيحٌ طبيعي” في نظام الأشياء. وحتى حين تُمسَك متلبّسة، لا تعتذر؛ تُهين الحقيقة نفسها، وتبتكر من الهواء “هدفاً” جديداً كي لا تبدو مجرد آلةٍ تُقصف لأن القصف عندها عادةٌ يومية، لا ردّ فعل.
من هنا بالضبط، يُفهم بيان الجيش الإسرائيلي الأخير كما هو: جملة واحدة مقتضبة تقول إنه بدأ هجوماً على “أهداف لحزب الله” في مناطق متعددة من جنوب لبنان، أو “في لبنان” كما يحب أن يوسّع العبارة. لا تفاصيل، لا أسماء، لا خرائط، لا أدلة. مجرد إعلانٍ يُراد له أن يمرّ كأنه حقٌّ طبيعي: أن تقصف بلا شرح، ثم تُطالب الآخرين بتصديقك لأنك “إسرائيل”. إنها طريقة في إدارة الاستباحة: كلما كان البيان أقلّ، كان الادّعاء أوسع، وكانت اليد أكثر انفلاتاً من أي قيد.
هذا الهجوم لا يأتي كحادثة منفصلة، بل كحلقة إضافية في سياسة باتت روتيناً منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع الحكومة اللبنانية. اتفاقٌ يفترض أن يضع سقفاً للنار، فإذا به يتحوّل في الممارسة الإسرائيلية إلى مساحة “مسموحة” لإدامة الضغط. إسرائيل تقول إنها تضرب “تموضع حزب الله” ومحاولاته “إعادة بناء القدرات” جنوباً، وتعيد تدوير قاموس جاهز: مواقع تدريب، مخازن أسلحة، منشآت عسكرية، وربما منصات إطلاق… كل شيء يصلح أن يكون هدفاً طالما أن الهدف المطلوب سياسياً هو إبقاء القصف مستمراً. المشكلة هنا ليست في الاتهام بذاته، بل في تحويل الاتهام إلى رخصة دائمة: لا حاجة لإثبات، ولا حاجة لمرجعية، ولا حاجة لآلية تحقق—يكفي أن تقول إسرائيل “خطر” لتصير الغارة “وقاية”.
لكن الإشارة الأوضح في الأسابيع الأخيرة لم تعد في الجنوب وحده، بل في أن التركيز تحوّل تدريجياً إلى مناطق شمال نهر الليطاني. الرسالة التي تُطلقها تل أبيب من هذا التحول ليست تقنية، بل سياسية: هي لا تريد جنوباً “عازلاً” فقط، بل تريد أن تُثبت أن يدها تستطيع أن تصل إلى كل الجغرافيا اللبنانية متى شاءت، وأن مفهوم “الخطوط” الذي يفترضه الاتفاق لا قيمة له أمام عقيدتها الجديدة بعد السابع من أكتوبر: ألا تسمح بأي تهديد قريب من الحدود، وأن تمنع الخصم—كما تقول—من إعادة الترميم وبناء القدرات. بهذه العقيدة، تُصبح الغارة إجراءً استباقياً لا يحتاج إلى طارئ، وتتحول الهدنة إلى زمنٍ يُستثمر في الاستنزاف لا في الاستقرار.
وفي وجه ما تُعلنه الدولة اللبنانية—خصوصاً عندما يكرر الجيش أنه حقق أهداف المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة جنوب الليطاني—تأتي إسرائيل لتقلب الطاولة: تزعم أن حزب الله ما زال موجوداً جنوب النهر، وتذهب أبعد من ذلك فتلمّح إلى اتهامٍ أثقل: أن الجيش اللبناني “يتعاون” أو “يغضّ الطرف” عن ترسيخ وجود الحزب. هذا الاتهام ليس مجرد ردّ إعلامي؛ هو وظيفة سياسية كاملة: إذا نجح الجيش في أن يكون عنوان معالجة أي ادعاء، تسقط الذريعة التي تُبقي لإسرائيل حق القصف خارج أي آلية. لذلك تُصرّ تل أبيب على كسر الجسر بين الادعاء وبين المعالجة، كي تبقى هي القاضي والمنفذ في آن واحد.
وهنا يبرز ما يُربك السردية الإسرائيلية من داخل الميدان نفسه: صوتٌ أممي وازن—قائد قوة اليونيفيل—قال بشكل واضح في تصريح إعلامي لافت إن إسرائيل هي التي تنتهك تفاهمات وقف إطلاق النار، وإنه لا توجد معطيات مؤكدة تثبت أن حزب الله يعيد بناء تموضعه العسكري جنوب الليطاني كما تُشيع تل أبيب. معنى ذلك بالغ الخطورة: عندما تُصبح الجهة الأشدّ قرباً من الميدان وأكثر تماساً مع الوقائع غير قادرة على تأكيد رواية “التموضع”، فإن الاستباق يفقد حجته الأساسية، ويظهر كسياسة ضغط لا كإزالة خطر.
أما العقدة الأكثر فضحاً لطريقة إسرائيل في إدارة الهدنة، فهي “الميكانيزم”: لجنة مراقبة الاتفاق. وفق الفهم اللبناني، من المفترض أن تُبلّغ إسرائيل اللجنة بأي موقع تعتبره تهديداً، فتبلغ اللجنة الجيش اللبناني، ويتولى الجيش الكشف والمعالجة. عملياً، إسرائيل تتجاوز الآلية وتذهب مباشرة إلى القصف، ثم تبرر ذلك بالاتهام نفسه: الجيش لا يقوم بواجبه، أو لا يتصرف بالسرعة المطلوبة، أو لا يفكك ما تعتبره إسرائيل “بنى الحزب”. لكن الوقائع تُظهر أن الجيش اللبناني تحرّك في حالات متعددة إلى مواقع أُشير إليها، وفتّش وتحقق وأعلن نتائج. ما يعني أن المسألة ليست دائماً “غياب الدور”، بل رفض إسرائيل الاعتراف بأن هناك دوراً يمكن أن يسحب منها احتكار القرار الميداني.
لهذا يبدو المشهد كأنه يُدار وفق معادلة واحدة: إسرائيل لا تريد لآلية الاتفاق أن تعمل بالكامل، لأنها إذا عملت أصبحت الغارات خرقاً صريحاً بلا غطاء. لذلك تصعد، وتوسّع الاستهداف، وتبقي باب الاتهام مفتوحاً: الجنوب، شمال الليطاني، البقاع، وحتى تكرار الحديث عن نقل أسلحة عبر سوريا، لأن كل توسعة في “ساحة الخطر” تُسند توسعة في “ساحة القصف”. وفي الخلفية، يُعاد ترداد تقديرات إسرائيلية تقول إن المواجهة مع حزب الله ليست سؤال “هل” بل “متى”؛ أي أن الاستنزاف الحالي ليس نهاية المسار بل طريقة لإبقاء لبنان تحت نارٍ منخفضة إلى أن يحين التوقيت الذي تختاره تل أبيب—خصوصاً إذا رأت أن “العجز اللبناني” يمنحها حق الانتقال إلى مرحلة أشد.
ما يجري ليس فقط قصفاً على أهدافٍ “مزعومة” أو “غير مفصلة”، بل قصفٌ على معنى الاتفاق نفسه. فإسرائيل تُدير الهدنة كأنها مساحة امتياز، لا التزام؛ وتُحوّل مفهوم “الاستباق” إلى شرعية مفتوحة لنسف الآليات؛ وتستخدم اتهام الجيش اللبناني كجسر للالتفاف على دور الدولة؛ وتوجّه ضرباتها شمال الليطاني لتقول إن الجغرافيا اللبنانية كلها تحت اختبار الإرادة الإسرائيلية. وبين دولةٍ تطلب من المجتمع الدولي إلزام إسرائيل بما وقعت عليه، وغربٍ يَعِد ويُساير ولا يضغط فعلياً، يبقى لبنان مكشوفاً أمام كيانٍ “يرتوي” ولا يشبع: يشرب من الماء، ثم يفتّش عن دمارٍ إضافي كي يبرّر وجوده—ويفرض على الجميع أن يعيشوا داخل منطقه: اتفاقٌ على الورق… وغاراتٌ في الهواء.


