ليست المشكلة في الفحش وحده، ولا في أن يُنفق على “الصورة” ما يكفي لإطعام مدنٍ كاملة، فيما أطفال غزة يتقاسمون برد الخيام وجوع الحصار. هذه المفارقة الأخلاقية فاضحة بحدّ ذاتها: عالمٌ يلمّع مراياه بعشرات ملايين الدولارات، فيما على الطرف الآخر من المشهد تُطفأ الطفولة كما تُطفأ شمعة. لكن جوهر الحكاية أعمق من الرقم وأقسى من البذخ. جوهرها أن “الاحتفاء” هنا لا يُدار بوصفه تكريمًا للفن، بل بوصفه هندسةً للهيبة… صناعة صورةٍ تلتهم المعنى وتترك وراءها زينةً بلا روح.


في “جوي أووردز” ليس الفنُّ هو الغاية. بل انه مادةً خامًا: يُسخّن على نار الترند، يُعبّأ في قالبٍ لامع، ثم يُقدَّم كمنتجٍ نهائيٍّ صالح للاستهلاك السريع. وفي هذه الماكينة، يحضر اللبناني غالبًا لا كصاحب تجربة، بل كإكسسوارٍ مثالي: لهجةٌ تبيع الحنين، ووجهٌ يملأ الكاميرا، وأسماءٌ جاهزة لإشعال اللقطة. حضورٌ يُستخدم لتزيين الصورة… لا لتثبيت معيار.

اللبناني هنا يُستدعى إلى السجادة أكثر مما يُستدعى إلى “المعنى”. يُنادى عليه حين يلزم البريق، ويُخفّف وزنه حين تأتي لحظة التقييم الحقيقي: ما الذي يميز هذا العمل؟ ما الذي صنعه؟ ما أثره؟ وما قيمته؟ فيتحوّل الاحتفاء إلى بروتوكول مُتقن، والكرامة الفنية إلى تفصيلٍ ثانويٍّ يضيع بين عدسةٍ وأخرى.


والمفارقة أن هذا المشهد، رغم حداثة وعصريّة وجماليّة ديكوره، يحمل رائحة قديمة. كأن ذاكرة “روتانا” تعود بملامح أكثر نعومة، وباسمٍ جديد. روتانا لم تكن مجرّد شركة إنتاج؛ كانت “نظام تشغيل” للنجومية. تُمسك بالمفتاح من الباب الأول: العقد، ثم تُحكم الإقفال من الداخل: الأغنية، الكليب، التوقيت، الإطلالة، وحتى “النبرة” التي يُسمح للفنان أن يعلو بها أو ينخفض. كانت تُغري الفنان اللبناني بما يشبه طوق النجاة: ميزانيات، حفلات، شاشات، ووعود “الانتشار العربي”. لكنّ الثمن لم يكن ماليًا؛ كان فنيًا، وكان أثقل من أن يُرى تحت الأضواء.


هناك نوع من الإسكات لا يحتاج إلى تهديد: يكفي أن يُغدق المال كي يتحوّل الفنان إلى “موظف” في مصنع، يُنتج وفق قياسات السوق لا وفق حدس التجربة. المال هنا ليس مكافأة، بل أداة ضبط إيقاع: يُسكِت التمرّد، ويُروّض الاختلاف، ويحوّل الجسارة إلى “صيغة آمنة” قابلة للبيع. من يعترض يُؤجَّل، من يغامر يُعاقَب بالتجاهل، ومن يصرّ على لغته الخاصة يُقال له بتهذيب قاتل: “ليس هذا ما يريده الجمهور”. وهكذا، بدل أن ترفع الإنتاج، كانت تفرض الهيمنة عليه: تُقنّن المخاطرة، وتستبدل الفنّ بالوصفة، وتضع الفنان اللبناني—الذي يملك فائض حساسية وجرأة وتجريب—داخل قفصٍ ذهبي: بريقٌ خارجي، واختناقٌ داخلي.


كانت روتانا تأخذ من لبنان “اللمعة” وتُعيده على شكل قالب جاهز. تُسطّح الزوايا الحادّة، تُنعم اللغة، تُخفّف الثقل السياسي حين لا يناسب صورة السوق، وتُطَمْئِن المنتج إلى أن كل شيء سيبدو “مناسبًا” و”مقبولًا” و”قابلًا للبث”. المشكلة ليست أن السوق موجودة؛ فالسوق موجودة دائمًا. المشكلة أنّ السوق حين تصبح هي المنتج والمخرج والناقد والحكم، تقتل الفنان فنيًا وهو يبتسم لها. تعطيه ما يكفي ليصمت، وتمنعه بما يكفي ليفقد ملامحه.


اليوم، “جوي أووردز” لا تكرر روتانا في الإنتاج بحرفيته، لكنها تستعيد المنطق نفسه في الجوائز: الهيمنة لا تتم عبر الاستوديو هذه المرة، بل عبر “شرعية الاعتراف”. بدل أن تتحكم بكيف تُنتَج الأغنية، تتحكم بكيف يُقرأ العمل، وبمن يملك حق تسميته “أفضل”. إنّها نسخة جديدة من المصنع: مصنع الاعتراف، مصنع اللقب، مصنع اللقطة التي تتحول إلى معيار. والنتيجة واحدة: الفن يُقاس بقدرته على التسويق، لا بقدرته على التأسيس؛ يُكافأ القابل للتدوير، ويُهمّش حتى من يلمع كالنجم.


في “جوي أووردز”، كما في زمن روتانا، تُقدَّم النجومية كمسارٍ واحد: “اصنع ما يصلح للشاشة”، “قل ما يناسب المزاج”، “لا تكثر من التعقيد”، “لا تفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها”. لكنّ الفارق أن روتانا كانت تمارس الهيمنة في غرفة التسجيل، بينما تمارسها الجوائز على المسرح: تُعيد ترتيب القيمة داخل الوعي العام، وتقول للناس—بصوت الموسيقى—هذا هو الفن، وهذا هو لبنان، وهذه هي الأسماء التي يجب أن تتذكروها.


ومن هنا تأتي المفارقة الموجعة: روتانا كانت تقبض على الإنتاج فتشلّ حرية الفنان، و”جوي أووردز” تقبض على الاعتراف فتشلّ معيار الجمهور. الأولى كانت تمنح المال لتضبط اللغة، والثانية تمنح اللقب لتضبط الذاكرة. الاثنتان تصنعان شكلًا من الإسكات: إسكات الصوت المختلف، لا بالقمع المباشر، بل بإغراقه في “المقبول”، أو بإخراجه من الصورة إن لم يصلح للتسويق.


اللبناني في هذا السياق يُستدعى دائمًا حين تحتاج الصورة إلى بهار: حضورٌ أنيق، لهجةٌ محبوبة، كفاءةٌ عالية في “الصورة” والإعلام. لكنه يُخفَّف حين تأتي لحظة التقييم الحقيقي: ما أثر هذا العمل؟ ما قيمته؟ ما الذي أضافه؟ فيتحوّل الاحتفاء إلى بروتوكول مُتقن، وتتحول الصناعة اللبنانية—كصناعة متعبة، تراكمية، ومليئة بالمجازفة—إلى “إضافة جمالية” في حفلة.


المسألة إذن ليست “جوائز” بقدر ما هي بازار. بازار يوزّع الاعتراف كما توزّع الإعلانات: على من يملك آلة ترويج، وعلى من يستطيع تحريك جمهور، وعلى من يصلح لصناعة لقطة. أما الفن بمعناه الحقيقي—كمغامرة، كمعرفة، كاختبار للذائقة—فيُدفع إلى مقاعد الجمهور، ويُطلب منه أن يصفّق.


وإذا أردنا تسمية الأشياء بأسمائها: ما يحدث ليس تكريمًا للفنّ. وهو بالتأكيد ليس تكريماً للبنان برغم كثرة نجومه المدعوّين. بل انه استهلاك للبنان. استخدامه كواجهة حين تحتاج الصورة إلى “بهار” لبناني، ثم اختزاله في قالبٍ واحد حين يلزم إشعال السوشال. لبنان هنا لا يُحتفى به… بل يُستثمر. يُستدعى ليُكمّل اللوحة… لا ليكتبها.


من حق أي منصة أن تحتفل، ومن حق أي دولة أن تصنع صناعتها الترفيهية. لكن ليس من حق أحد أن يحوّل الفن إلى ديكور، ولا أن يحوّل لبنان إلى ملصق. إذا كان المطلوب “جائزة”، فلتكن جائزة بمعايير. وإذا كان المطلوب “احتفاء”، فليكن احتفاء يحترم الصناعة لا اللقطة. أما إذا كان الهدف مجرد تلميع صورةٍ تلمع أصلًا… فليُقل ذلك بصراحة: هذا ليس مهرجان فن. هذا مهرجان صورة—والصورة حين تُقدَّم بديلاً عن المعنى، تتحول إلى قناعٍ فاخر فوق وجهٍ فارغ.


لا يعلّق "جوي أووردز" الأوسمة على صدور الأعمال بقدر ما يعلّق أختام السوق على جبينها: “صالح للعرض”، “صالح للترند”، “صالح للتدوير”. هنا لا تُختبر التجربة بعمقها، بل بقدرتها على أن تلمع سريعًا… ثم تنطفئ سريعًا. وكما كانت “روتانا” تقتل الفنان اللبناني برفقٍ مزيّف—تُغدق عليه المال لتسحب منه حقّه في الاختلاف—تفعل هذه المنصة الشيء نفسه لكن بأداة أدهى: لا تهيمن على الإنتاج، بل تهيمن على الاعتراف. لا تُمسك بالاستوديو… تُمسك بالذاكرة. تُعيد ترتيب القيمة في وعي الناس، وتقول للجمهور: هذا هو الفن، وهذه هي الأسماء، وهذا هو لبنان الذي ينبغي أن تتذكّروه.

وهنا، لا يعود “الاحتفاء” بريئًا، بل يصير مقصلةً ناعمة: لا تقطع الرأس، تقطع الملامح. لا تمنع الصوت، تجرّده من لغته. تُبقي الفنان على المسرح… شرط أن يخفّ وزنه كي لا يثقل على الصورة. تُبقي لبنان حاضرًا… شرط أن يتحوّل إلى “بهار” في طبقٍ لا يطبخه. تُستدعى لهجته وأناقة وجهه وحرفته في الضوء، ثم يُعاد إلى الظلّ فور انتهاء اللقطة.


فليحتفلوا كما يشاؤون—لكن لا يطلبوا من أحد أن يسمّي هذا تكريمًا. التكريم لا يكون بعلوّ الأضواء، بل بصدق المعيار. أمّا حين تصبح الجوائز لغةً للتسويق، وحين تُقاس القيمة بمقدار الضجيج، فهذه ليست ليلة فن… هذه ليلة تلميع. تلميعٌ يضع ذهبًا فوق فراغ، ويقدّم لنا قناعًا فخمًا ويقول: “انظروا، هذا وجه المعنى”. بينما المعنى—هناك، خارج القاعة—يختنق بصمت، ولا يجد حتى حقّ الدخول.