في الجنوب السوري، لم يأتِ التحوّل السياسي وحده. في اليوم الذي انهارت فيه سلطة الأسد، ظهر على الأرض مسارٌ موازٍ: إسرائيل تتصرّف كأن الفراغ فرصةٌ لتبديل قواعد اللعبة في القنيطرة، من دخولٍ عسكري واعتقالات ومداهمات وتجريف، إلى خطوةٍ أكثر التباسًا وأشدّ إيذاءً إذا ثبتت خطورتها: “رشّ جوي” فوق حقول الناس.
خلال الساعات الأخيرة، تحدّث سكان في ريف القنيطرة عن مشاهدة طائراتٍ زراعية تحلّق على علوّ منخفض ثم تباشر رشّ مساحات من الأراضي بمادة غير معروفة. التركّز، بحسب ما يتداوله الأهالي، كان في محيط مزرعة أبو مدرّة وقرية الحانوت، مع إشارة إلى تكرار عمليات مشابهة قبل أيام في النقاط نفسها أو بمحاذاتها. لا أحد يملك حتى الآن توصيفًا علميًا لما أُلقي فوق التربة، لكن الخوف ليس تفصيلًا: لأن “المجهول” حين يلامس الأرض يتحوّل إلى تهديدٍ مفتوح—للمحاصيل، للمياه القريبة، وللماشية التي تعيش من أعلاف هذه الحقول.
أمام الضجيج الشعبي، دخلت مديرية الزراعة في محافظة القنيطرة كطرفٍ رسميّ إلى المشهد. تحرّكٌ سريع: أخذ عينات من التربة والنباتات والأعشاب من المواقع التي يُعتقد أنها تضرّرت، وإحالتها إلى التحليل بهدف تحديد ماهية المادة وتقدير آثارها المحتملة. وفي الوقت نفسه صدر تنبيهٌ واضح للفلاحين ومربي المواشي: الابتعاد عن المناطق المرشوشة، وتعليق الرعي والعمل الزراعي فيها إلى أن تظهر النتائج وتصدر بيانات توضّح درجة الخطورة إن وجدت.
القصة هنا لا تتعلق ببقعةٍ من تراب وحسب. القنيطرة، بخصوبتها البركانية، ليست هامشًا زراعيًا؛ إنها مساحة إنتاج حيّة تدور مواسمها بين الحبوب في الشتاء والخضراوات في الصيف، وتستند إلى بساتين وأشجار مثمرة تشكّل عمود رزقٍ كامل: زيتون، تين، عنب، تفاح، كرز، وتوت شامي. أي مادة كيميائية غير مأمونة قد لا “تُحرق” موسمًا واحدًا فقط، بل يمكن أن تترك أثرًا طويل الأمد على بنية التربة نفسها، وعلى سلسلة الغذاء التي تبدأ من العشب ولا تنتهي عند المائدة.
في الشارع المحلي، لم ينتظر الناس لغة التقارير. التعليقات جاءت كمن يقرأ الحادثة بوصفها امتدادًا لحربٍ تُشنّ على الحياة اليومية. البعض اعتبرها إنذارًا يتطلب التعامل معه كخطرٍ صحي وبيئي: “قد تكون مواد تُفسد التربة” أو تغيّر خصائصها. آخرون ذهبوا إلى قراءة سياسية-اقتصادية أشد حدّة: “معركة ضد الغذاء”، محاولة لتجفيف الأعشاب وإضعاف الأشجار وضرب الزراعة النباتية والحيوانية معًا بما يطرد السكان من اقتصادهم الريفي ويدفعهم أكثر إلى الفقر. وبين هذين الموقفين، يطفو قلقٌ ثالث: محدودية القدرة المحلية على معرفة المادة بسرعة، وكأن الناس عالقون بين انتظار المختبر وبين واقعٍ لا يرحم التأخير.
حتى اللحظة، لا نتائج معلنة تحدد ماهية ما رُشّ ولا درجة سميّته، ولا يمكن تحويل التخمين إلى حقيقة قبل انتهاء الفحوص. لكن الثابت أن المشهد تغيّر: لم يعد الضغط يُقاس فقط بخط تماسٍ أو دوريةٍ أو نقطةٍ عسكرية، بل باتت التربة نفسها موضع اختبار—وكأن التحكم بالمجال لا يمرّ عبر السلاح وحده، بل عبر تعطيل القدرة على العيش.
يبقى السؤال الذي يتقدّم على كل التفاصيل: ماذا تريد إسرائيل من القنيطرة حين تذهب إلى الحقول لا إلى المواقع العسكرية؟ هل هي محاولة لإضعاف البيئة الزراعية والثروة الحيوانية لأهداف أمنية، أم رسالةُ نفوذٍ تُكتب على الأرض لتُفهم سياسيًا واجتماعيًا؟ الإجابة معلّقة في مختبرات التحليل… لكن القلق سبق النتائج إلى البذار.


