صار بإمكان الدولة أن تُنتج “إنجازًا” على الورق حتى فيما يتقلّص الاقتصاد في الواقع. يكفي أن يُقرّ البرلمان قانون الموازنة لتُرفع راية “الحدث السعيد”، كأنّ النص وحده يكفي لإثبات التعافي. لكنّ المفارقة أنّ اللحظة نفسها التي جرى فيها الاحتفال بالموازنة جاءت ممهورةً بمرآة لا ترحم: التقرير النصفي للبنك الدولي عن الاقتصاد اللبناني. مرآة تقول، بلا خطابات ولا زخرفة، إن ما يُقدَّم كإنجاز في الداخل لا يزال محدود الأثر حين يُقاس بما يحدث خارج قاعة المجلس: في النمو، وفي الانكماش، وفي حجم اقتصادٍ لم يعد قادرًا على استعادة نفسه حتى بعد عامين متتاليين من “الحسابات”.
يضع “المرصد الاقتصادي اللبناني” الصادر دوريًا عن مكتب البنك الدولي في بيروت الإصبع على رقم واحد يكفي لتفكيك سردية كاملة: نمو 2025 بلغ 3.5%، لا 5% كما كانت التوقعات السابقة. في بلد اعتاد أن يقرأ الأرقام بوصفها “مزاجًا سياسيًا”، قد يبدو الفرق تفصيلًا. لكنه ليس كذلك. لأن 3.5% هنا لا تأتي فوق أرض مستقرة، بل فوق أرض هوت أصلًا في العام الذي سبقها: انكماش 7.5% في 2024 بفعل الحرب الإسرائيلية وانعكاساتها الاقتصادية. وحين تكون نقطة البداية قاعًا، يصبح النمو أشبه بتخفيف النزيف لا باستعادة العافية. لذلك وصف البنك الدولي هذا النمو بأنه خطوة “متواضعة” ضمن مسار تعافٍ طويل. والأخطر أن جمع نتائج 2024 و2025 معًا لا يبدو كافيًا—على الأرجح—لإعادة حجم الاقتصاد إلى ما كان عليه في 2023. أي أننا أمام تعافٍ لا يُعيد ما فُقد، بل يبطئ فقط وتيرة الفقدان.
حتى هنا، تبدو الصورة واضحة: اقتصاد يتقدم ببطء شديد بعد صدمة كبيرة. لكن ما يجعل المشهد صادمًا ليس رقم النمو وحده، بل ما يجاوره من خطاب رسمي عن المالية العامة. ففي الوقت الذي يصف فيه البنك الدولي النمو بأنه “تواضع” على طريق طويل، خرجت وزارة المالية لتعلن، من جهة أخرى، أرقامًا توحي بأن الدولة حققت “فوائض” وأن وضعها المالي يتحسن. بلغت المفارقة ذروتها عندما أُعلن أن فائض الرصيد الأولي في 2024 وصل إلى 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي، أي فائض يفوق ما كان يُعتبر حلمًا في تاريخ المالية العامة اللبنانية منذ زمن. كيف يمكن لاقتصاد ينكمش تحت حربٍ وآثارها، أن ينتج دولة “فائضة” ماليًا؟ هنا يبدأ الانفصال الحقيقي: ليست المشكلة في رقمٍ هنا أو هناك، بل في أن المالية العامة لم تعد تُستخدم كأداة لكشف الواقع، بل كأداة لصناعة واقعٍ بديل على الورق.
في الدول الطبيعية، الموازنة ليست ملحقًا إداريًا ولا مناسبة علاقات عامة. هي إعلان شفاف لما ستفعله الدولة: سياستها الاقتصادية والاجتماعية، أولوياتها، قدرتها على التمويل، ومخاطرها. وهي قبل ذلك وبعده وثيقة تُظهر الواقع المالي كما هو أمام البرلمان والرأي العام والأسواق والمؤسسات الدولية، وتعمل كإشارة مرجعية للمستثمرين والمقرضين في قراراتهم. أما حين تتحول الموازنة إلى نصٍّ يلمّع الصورة عبر حذف ما يزعجها، فهي تفقد وظيفتها الأساسية: أن تكون مرآة.
هذا بالضبط ما يجعل الحديث عن فائض مالي أو “توازن” في لبنان حديثًا ملتبسًا. ففي قراءة وزير المالية ياسين جابر لنتائج 2025—التي بُني عليها مشروع موازنة العام الجاري—ورد أن المالية العامة حققت فائضًا خلال 11 شهرًا من العام السابق بلغ 1.5 مليار دولار. لكن هذا الرقم، كما هو مطروح، لا يكتمل إلا بقول ما لا يُقال معه: لأنه لا يعكس الصورة الحقيقية إذا كان يُسقط التزامات مؤكدة على الدولة، أو يؤجلها، أو يضعها خارج الحساب كي يظلّ الفائض قائمًا. الفائض هنا ليس نتيجة تحسن بنيوي، بل نتيجة ميزانية تُكتب بحيث تبدو متوازنة: توازنٌ يُصنع عبر إخفاء ما يتوجب إدخاله في النفقات.
ولهذا، لم تُبنَ موازنة 2026—عمليًا—على قاعدة “القدرة”، بل على قاعدة “الصورة”. أي الحفاظ على مظهر زاهٍ ومغاير للواقع عبر تجاهل التزامات أساسية ستظهر كفاتورة لاحقًا مهما طال التأجيل. أول هذه الالتزامات ما يرتبط بوعود الحكومة للمتقاعدين: زيادة مخصصاتهم خلال شباط الجاري، وما يستتبع ذلك بصورة شبه حتمية من زيادات لسائر المتقاعدين، ثم من بعدهم لموظفي القطاع العام. هذه ليست رغبات جانبية بل مسار منطقي: إذا فُتح الباب من جهة، يتدحرج الضغط الاجتماعي والسياسي ليفتحه على الجهات الأخرى. والالتزامات لا تقف هنا. هناك ديون وأقساط ومستحقات تجاه مؤسسات عامة، في مقدمتها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وهناك الدين المترتب ثمناً لشحنات النفط العراقية. وهناك فوائد اليوروبوندز التي تتراكم، والتي بلغ رصيدها الحالي 48.8 مليار دولار. قد تتوقف الدولة عن السداد، لكنها لا تستطيع أن تتصرف وكأن الدين اختفى. تجاهل الديون وفوائدها لا يلغيها، بل يراكمها—ثم يعيدها لاحقًا بصورة أكثر قسوة.
وهنا يتجلى المعنى الحقيقي للانفصال بين الأرقام والواقع: حين تُعلن الدولة فائضًا لأنها لم تدفع، أو لأنها أخّرت، أو لأنها لم تحتسب، تصبح المالية العامة غير صالحة أصلًا لفهم الاقتصاد. إنها تتحول إلى دفترٍ يوثّق ما ترغب الدولة في إظهاره لا ما هي مضطرة إلى تحمّله. وهذه ليست مسألة محاسبة فقط، بل مسألة ثقة. لأن الثقة لا تُبنى على توازنٍ مُعلن، بل على اعترافٍ كامل بما هو مستحق وبما هو مؤجل وبما هو متنازع عليه وبما هو محتم.
والتاريخ اللبناني القريب يعطي المثال الذي لا يحتاج إلى شرح. عندما اندفعت السلطة في 2017 نحو إقرار زيادات على وقع ضغط الشارع ومن دون أن تكون الأرقام ممسوكة، لم يأتِ الانهيار في اليوم التالي مباشرة، لكنه بدأ يومها يشق طريقه: اهتزّت مالية الدولة، ثم ارتجّ سعر الصرف، ثم انكسرت الودائع، ثم تلقّى الاقتصاد الضربة الكبرى. المشكلة لم تكن في منح الناس حقوقًا، بل في ممارسة السياسة المالية كأنها خطابة، وفي استخدام الأرقام كوسيلة إرضاء بدل أن تكون أداة ضبط.
لهذا، يصبح الاحتفال بالموازنة في غير مكانه حين تتزامن لحظته مع تقرير دولي يقول إن الاقتصاد ما زال يتعافى ببطء شديد بعد انكماشٍ كبير، وأن النمو لا يكفي لاستعادة حجم الاقتصاد السابق. ويصبح التباهي بفائضٍ ماليٍ مشروطٍ بالحذف والتأجيل نوعًا من “النجاح الورقي” الذي يسبق السقوط الواقعي.
قد يأتي يوم لا تُقاس فيه لحظة الانهيار الكبرى بسعر صرف أو بحرب أو بقرار مصرفي، بل بقرار أبسط وأشد فداحة: لحظة قبلت الدولة أن تستبدل الحقيقة بحسابٍ مُجمَّل، وأن تُدخل شعبها في طمأنينةٍ مصنوعة من أرقامٍ لا تقول كل شيء. عندها يكون “الإنجاز” قد صار اسمًا آخر لتمديد الأزمة، ويكون الفائض مجرد قناعٍ لعجزٍ مؤجل، ينتظر لحظة سقوطه على دفعة واحدة.


