في عالم الاستخبارات، قد تتحول زلةٌ كلامية إلى مفتاح تحقيق. فكلما ارتفع منسوب “الحديث العلني” لدى قادة الأجهزة، ازداد فضول العواصم المعنية لإعادة نبش الملفات التي ظلت سنوات تتحرك تحت لافتات تجارية ناعمة: استيراد، تصدير، توريد… وواجهات شركات تبدو قانونية على الورق، لكنها تُستخدم—وفق الاشتباه—كستار لعملٍ من نوع آخر.

من هنا تُقرأ في أنقرة العودة المتكررة لاسم الرئيس السابق للموساد يوسي كوهين. فبحسب تقديرات متداولة في الأوساط التركية، فإن ظهور كوهين الإعلامي بنبرة استعراض خلال الفترة الأخيرة ساعد على تحريك أسئلة قديمة/جديدة حول شبكات يُعتقد أنها عملت لصالح الموساد عبر مسارات توريد، وبأدوات ترتبط بالتلاعب التقني قبل وصول المواد إلى مستخدميها.


اختراق الإمداد: فكرة قديمة بصيغة تكنولوجية

تذهب روايات تركية إلى أن ما يُنسب إلى كوهين لا يقتصر على إدارة جهاز، بل يمتد إلى دفع نموذج عمل يقوم على النفاذ إلى خطوط الإمداد التي قد تصل إلى بيئات المقاومة في لبنان وفلسطين. جوهر النموذج—وفق ما يُقال—ليس زرع “جاسوس” بالمعنى التقليدي، بل تحويل السلعة نفسها إلى وسيلة اختراق: معدات أو مكونات تُعدَّل مسبقًا بما يسمح بفتح منافذ للوصول إلى معلومات حساسة، من بيانات وعناوين ومسارات شراء وتخزين، وصولًا إلى قراءةٍ أوسع للبنية التنظيمية من مدخل التكنولوجيا.


تحقيق أكبر من العناوين… والسؤال عن “الممرات غير المرئية”

وتشير تقديرات تركية إلى أن التحقيق الجاري أوسع مما توحي به التسريبات. فالمسألة ليست توقيف أفراد فحسب، بل تعقّب المسار اللوجستي: إلى أين كانت تتجه الشحنات بعد دخولها؟ هل وُجدت طبقات وسيطة لإخفاء المصدر الحقيقي بعد التلاعب؟ أين جرت عمليات التخزين أو إعادة التغليف؟ وهل ظهرت مرافق تُستخدم لتعديل المنتجات أو إعادة تقديمها بهيئة مختلفة؟

كما يبرز سؤال إضافي: هل استُخدمت تركيا ضمن خط التشغيل نفسه، أم أن بعض المراحل مرّت عبر دول آسيوية ضمن نشاط أوسع يُنسب للموساد في تلك الساحات، وبما يتصل بملفات أشد حساسية ترتبط بإيران؟


من الاستعراض إلى تشديد التدقيق

في خلفية الملف، تُستعاد مقابلات وتصريحات منسوبة إلى كوهين خلال العام الماضي تحدث فيها عن أدوار الموساد في مراحل مختلفة، وألمح إلى شحن “كميات” من معدات قيل إنها خضعت لتلاعب تقني باتجاه أكثر من دولة في الإقليم. وفي سياق آخر، حاول—وفق ما تردد في الإعلام العبري—ربط نفسه بإنجازات ميدانية، بينها ما ارتبط بعملية “البيجر” التي طاولت عناصر من حزب الله عام 2024.


عملية Monitum: إسقاط حلقة وشركات واجهة

في هذا السياق، نقل تقرير صحافي عن مصادر أمنية تركية أن المخابرات وشرطة إسطنبول نفذتا عملية مشتركة انتهت بتوقيف شخصين ضمن شبكة يُشتبه بأنها عملت لصالح الموساد منذ عام 2012. وحملت العملية اسم Monitum، بما يوحي برسالة “إنذار” تتجاوز التوقيف إلى الردع.

وبحسب ما نُقل، لم ينحصر دور الحلقة في جمع معطيات عن فلسطينيين مقيمين في تركيا (عناوين، بيانات تحرك واتصالات)، بل تزامن ذلك مع محاولة الاقتراب من تجارة حساسة عبر تصدير قطع غيار لطائرات مسيّرة، ضمن خطة تقوم على بناء واجهات تسمح بالنفاذ إلى خطوط الإمداد من بوابة شرعية ظاهريًا.


MBD وخطة خارج تركيا: ثلاث حلقات آسيوية

ومن بين الأسماء التي وردت في مسار التحقيقات مواطن تركي عُرّف بالحروف MBD. وبحسب التقرير المنقول، قال خلال الاستجواب إنه ناقش إنشاء سلسلة شركات خارج تركيا، لتسهيل شحن منتجات “غير واضحة المصدر” تُستورد من دول يحددها الموساد، ثم تُوجّه إلى وجهات نهائية يختارها ضباط الجهاز.

وتصف الرواية بنية تشغيلية تعتمد ثلاث شركات قائمة في آسيا: جهة لشراء السلع وإعادة تقديمها (تغليف/إظهار مختلف)، جهة للتخزين المؤقت، وجهة تتولى التصدير إلى شركات مرتبطة بـ“المستخدمين النهائيين” الذين يتم تحديدهم مسبقًا. كما تحدث التقرير عن اجتماع حديث ناقش ترتيبات تنفيذية مفصّلة: حسابات مصرفية، واجهة رقمية (موقع)، حسابات تواصل، وبحث عن شركاء يمكن إدخالهم في الشبكة.


هاجس “البيجر”: التشابه في الآلية لا في الشكل

وتذهب تقديرات تركية إلى أن شكل التشغيل يُذكّر من حيث الآلية بما سبق “حادثة أجهزة النداء” عام 2024: وسطاء وشركات واجهة ومسار توريد يسمح بإدخال معدات أو مكونات خضعت لتلاعب قبل وصولها إلى المستفيدين، بما يفتح الباب أمام أضرار كبيرة عندما يكتمل السيناريو.


خيط 2012: من مرسين إلى أوروبا

وتربط الرواية بداية الخيط بعام 2012، حين كان MBD يدير شركة رخام في مرسين. تلقى دعوة إلى أوروبا تحت عنوان اجتماع عمل، وهناك—وفق التحقيقات—التقى أشخاصًا قدّموا أنفسهم كمديرين في شركة استيراد وتصدير، قبل أن يتضح أنهم ضباط موساد. وتقول التحقيقات إن ضابطًا إسرائيليًا قُدم باسم “لويس” طلب منه استقدام شخص آخر يُشار إليه بـ VK (تركي من أصل فلسطيني)، ليتبين لاحقًا—بحسب الرواية—أن VK كان يعمل أيضًا لصالح الموساد.


توسّع ومهام ميدانية: غزة والمستودعات

ومع الوقت، توسّع النشاط التجاري في أكثر من بلد إقليمي، وبُنيت علاقات مع فلسطينيين تُنسب إليهم مواقف معادية لإسرائيل، ثم جرى—وفق الادعاء—جمع معطيات عنهم لصالح الموساد. وتذكر الرواية كذلك مهام ميدانية شملت محاولة الوصول إلى غزة وتصوير مستودعات وإرسال الصور إلى الجانب الإسرائيلي.


قطع غيار المسيّرات وخيط الزواري

أما الشق الأكثر حساسية فتعلق بمحاولة VK الدخول في سوق قطع غيار الطائرات المسيّرة. ووفق ما نُقل عن مصادر أمنية تركية، زُودت الواجهة بعينات أولية من المنتجات. وفي هذا السياق، يرد اسم محمد الزواري (اغتيل في تونس في كانون الأول 2016) بوصفه أحد من جرت محاولات بيع طائرات مسيّرة لهم ضمن مسار توريد يُشتبه بأن مكوناته خضعت للتلاعب.


بعد التوقيف: البحث عن المسار الكامل

في أنقرة، إسقاط الحلقة لا يُنهي المسار بل يفتحه. الأسئلة التي تتقدم الآن تتعلق بالخريطة كاملة: من أين دخلت المواد؟ أين جرى تعديلها؟ من هم الوسطاء؟ من هم “المستخدمون النهائيون” في الدول الأخرى؟ وهل كانت تركيا مجرد ممر ضمن شبكة أوسع تستخدم الجغرافيا والتجارة كأداة استخبارية صامتة—على نحوٍ يُذكّر بنماذج سابقة اعتمدت اختراق خطوط الإمداد بدل الاختراق المباشر؟