قبل أن نرفع السواد على طرابلس، لنرفع الغطاء عمّن يملك المفتاح ويُصرّ على كسره في القفل. بلدية المدينة ليست “متفرّجاً” على الانهيارات… هي طرفٌ في صناعتها. نعم، هناك قرارات قضائية بهدم مبانٍ مُعرّضة للسقوط، ومع ذلك تتمنّع البلدية عن التنفيذ منذ عام 2023. أي وقاحةٍ أكبر من أن تُترك أحكام القضاء تتعفّن في الأدراج، فيما تُترك العائلات تنام تحت سقفٍ مشروخ كأنه فخّ مؤجّل؟ ثم تأتي البلدية—بلا حياء—لتتقمّص دور “كاشف الفساد” وتُوزّع على الناس خطاباتٍ عن الشفافية. هنا لا نتكلم عن خطأ إداري، بل عن امتناعٍ متعمّد عن واجبٍ يمنع الموت؛ والامتناع حين يُنتج جثثاً لا يعود “تقصيراً”… بل يصبح مسؤوليةً كاملة ولو بلا معول.


لا تسقط طرابلس دفعةً واحدة. هي تهوي بالتقسيط: شرفةٌ تتداعى، درجٌ يتشقق، حائطٌ ينهار، ثم تُقفل الحكاية ببيانٍ باردٍ وكأن ما جرى “حادث”. انهيار مبنى باب التبّانة ليس الاستثناء ولا المفاجأة، بل حلقة إضافية في سلسلة مدينةٍ تُركت تتآكل من الداخل، فيما تُزيّنها الألقاب من الخارج. “الفيحاء” في الذاكرة، أمّا في الواقع فهي مدينةٌ يندر فيها أن يمرّ يومٌ بلا ألمٍ أو جوعٍ أو فاجعة.


لا رفاهية خيارات لأهلها. الخيارات تُقدَّم لهم غالباً على هيئة نهايات. من ضاق به الرزق يراهن على البحر، لا عشقاً بالماء بل كرهاً باليابسة التي خذلته؛ يركب قوارب هربٍ تُسمّى زوراً “فرصة”، وقد تكون وجهتها الغرق—حتى لو كان الحلم مجرد “بلاد الواق واق”. ومن لم يذهب إلى البحر قد يبقى تحت سقفٍ لا يثق به؛ سقفٌ يتدلّى كتهديدٍ صامت. ومن نجا من الموج والحجر قد يقع في خيار ثالث: أن يتعفّن في زنازين الاعتقال، حيث تُستبدل العدالة بالاشتباه، وتُستبدل الكرامة بالتهمة. وفوق ذلك كله، هناك موتٌ رابع بلا دم: أن تُحبس المدينة في صورةٍ جاهزة تُلصَق بها، وكأنها خُلقت لتكون “توأم الإرهاب”، وكأن المطلوب أن تُشبه قندهار لا أن تُنقَذ كمدينةٍ لها حقّها في الحياة.


والمشهد الأكثر فداحة في طرابلس أنه يقوم على تناقضٍ فاضح: ثروةٌ فاحشة في نقطةٍ ضيقة، وفقرٌ فاضح على امتداد البحر. في المدينة عشرات من كبار الأثرياء، ومن تتجاوز ثرواتهم مئات ملايين الدولارات، وبعضهم دخل نادي المليار. وفي المقابل، تمتد على الواجهة البحرية أحزمة بؤسٍ من حوش العبيد إلى حيّ التنك: أكواخٌ ومساكن هشّة، ومعها اقتصادٌ مظلم يتغذّى من العوز؛ حيث يختلط الفقر بتجّار المخدّرات واللصوص عند آخر النهار. طرابلس تمتلك البحر كواجهة… لكنها تُستعمل كقاع.


ثم تأتي لعنة العمران: مدينة من أكثر المدن احتضاناً لمخالفات البناء، ولا سيما منذ عام 2000 حين اختلط الحابل بالنابل، فارتفعت طوابق مخالِفة، وزاد الضغط على مبانٍ قديمة متعبة، وصار الانهيار احتمالاً “طبيعياً” في يوميات الناس لا خبراً عابراً. وفي الوقت نفسه، طرابلس مدينة كثيفة الروح: معابد ومساجد وكنائس وزوايا وطرق صوفية متعددة المشارب. وهي أيضاً مدينة العلم والعلماء منذ العهد العثماني، مدينة أنجبت علماء ورجال دين ومعلمين… لكنّها صارت أيضاً من أكثر المدن “مساهمةً” في ملء السجون وغرف المحابيس، لا لأن الجريمة قدرٌ وراثي، بل لأن الإهمال حين يطول يتحوّل إلى سياسة، والحرمان حين يُدار يتحوّل إلى ماكينة.


لهذا، ليست أزمة طرابلس أزمة مال فقط—مع أن المال إسعافٌ لا بدّ منه—بل أزمة إدارةٍ كاملة. المدينة بحاجة إلى من يدير أزمتها بمهنية وحكمة، وإلى رجال دولة تشبك مع الجميع وتستنفر لبنان حين تستغيث طرابلس، لا أن تُترك وحيدة ثم يُقال لها: “تحمّلي”.


وفق إحصاء بلدية طرابلس، هناك 114 مبنى مهدّداً بالانهيار ويستلزم الإخلاء الفوري، إضافة إلى نحو 600 مبنى بحاجة إلى الترميم. هذه ليست لائحة أعطال… هذه خريطة موت. لكن الفضيحة ليست في ضخامة الأرقام وحدها؛ الفضيحة في أنّ البلدية، بدل أن تتصرّف كسلطة إنقاذ، تتصرّف كمنصّة ضجيج: تتحدّث عن “تأمين مبالغ للإيواء” وتوزّع وعوداً فضفاضة، ثم تترك الناس بلا شفافية تُثبت حرفاً واحداً. لا ميزانيات منشورة، لا آلية صرف واضحة، لا معايير، لا لوائح مستفيدين، لا كشوفات دفع، ولا تدقيق مستقل. هكذا يتحوّل “الإيواء” من حقّ عاجل إلى سوق وعود، وتتحوّل معاناة العائلات إلى مادة دعائية. من يريد أن يُقنع الناس بإنجازٍ مالي، عليه أن يضع كل فلسٍ على الطاولة: قرارات، فواتير، أسماء، ومحاسبة. وإلّا، فالكلام ليس إلا تضليلاً للرأي العام ومحاولة شراء وقتٍ إضافي فوق رؤوسٍ آيلة للسقوط. والأخطر أن هذا التعتيم يأتي فوق امتناعها عن تنفيذ أحكام الهدم الوقائي: أي أنها لا تمنع الموت بالفعل، ثم تطلب من الناس أن يصفّقوا لكلامها.


طرابلس لا تريد رثاءً بعد كل سقوط. تريد قراراً: أن تُعامل كمدينة تستحق الحياة لا كخطرٍ يجب ضبطه. تريد أن تُنزَع من خانة “الملف” إلى خانة “الإنقاذ”. لأن كل مبنى ينهار اليوم ليس حجارةً فقط… بل اتهامٌ مفتوح لمن رأى ولم يتحرك، ولمن امتنع حين كان التنفيذ ينقذ، ولمن تاجر بالخطاب وترك المدينة تحت سقف الموت.