في عام 1948 أُعلن قيام إسرائيل فوق أنقاض فلسطين، ومنذ ذلك التاريخ لم تتوقف عملية انتزاع الأرض “شبرًا بعد شبر” حتى تقلّصت المساحة الفلسطينية مع الزمن إلى أقل من 22% من فلسطين التاريخية. لكن المفترق الذي قلب المشهد إلى احتلال ممتد ومفتوح كان عام 1967: يومها دخلت إسرائيل الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، لتبدأ مرحلة ابتلاعٍ ممنهجٍ لا يكتفي بإدارة الواقع، بل يصنع واقعًا جديدًا على الأرض ويُعيد تعريفه سياسيًا وقانونيًا.
هذا السلوك ليس مجرد “نزاع حدود” أو “إجراءات أمنية” كما يُسوَّق له غالبًا، بل هو استغلال دائم لموقع إسرائيل كقوة احتلال عبر الضمّ وتثبيت السيطرة كأمرٍ لا رجعة عنه، وصولًا إلى إحباط حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. وفي ميزان القانون الدولي، فإن فكرة السيطرة الدائمة على أرض محتلة، والتعامل معها كملكية سيادية، تنقض مبادئ أساسية وتضع الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة في خانة اللاشرعية.
الضفة الغربية نفسها ليست مساحة رمزية أو هامشًا جغرافيًا؛ هي رقعة تبلغ نحو 5600 كيلومتر مربع. وبموجب اتفاقيات أوسلو الموقّعة عام 1993 قُسّمت إلى ثلاث مناطق: المنطقة “أ” وتمثل قرابة 18% وتخضع لسيطرة فلسطينية كاملة إداريًا وأمنيًا؛ المنطقة “ب” وتمثل نحو 21% وتخضع لسيطرة مدنية فلسطينية بينما تتولى إسرائيل المسؤولية الأمنية؛ أما المنطقة “ج” فتشكّل نحو ثلثي الضفة وتخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة إداريًا وأمنيًا. غير أن “التقسيم” لم يكن يومًا نهاية شهية السيطرة على الأرض، بل كان محطة في هندسة السيطرة.
فالهوس بالأرض ظلّ ملازمًا للسياسات الإسرائيلية، ولذلك لم تُكتفَ إسرائيل بالدبابة والحاجز، بل بنت ماكينة قضائية–بيروقراطية معقدة تُغلف المصادرة بواجهات قانونية متعددة. جرى توظيف قانون “أملاك الغائبين” باعتبارها ممتلكات متروكة، وإعلاناتٍ متلاحقة بتحويل الأراضي إلى مناطق عسكرية، أو مصادرتها تحت عناوين “محميات” أو “شوارع”، وبرز ضمن هذه الأدوات ما يُعرف بقانون “أملاك الدولة” الذي مكّن من وضع اليد على أكثر من 40% من مساحة الضفة الغربية. بعبارة أخرى: لم يكن الاستيطان توسعًا عشوائيًا، بل مشروعًا يتغذّى على نصوص وإجراءات ومسميات تُنتج المصادرة على أنها “تنظيم” لا نهبًا.
وفي الميدان، تواصل النهج التوسّعي بكثافة الاستيطان وتحويل القرى والبلدات الفلسطينية إلى أطواق من مستوطنات مدججة، تُراقب وتطوّق وتقطع وتبتلع. الأرقام هنا ليست تفصيلًا: أكثر من 180 مستوطنة ونحو 26 بؤرة استيطانية زُرعت في الضفة الغربية. ونحو 38% من مساحة الضفة خُصصت للقواعد العسكرية ومواقع التدريب. كما عُزلت قرابة 12.5% من أراضي الضفة خلف الجدار الفاصل. وصودرت نحو 700 كيلومتر مربع بذريعة أنها “محمية طبيعية”. وبين الاستيطان والعسكرة والجدار و”المحميات”، تتبدّل الخريطة على الأرض بطريقة تجعل “الدولة الفلسطينية المتصلة” فكرة تُستنزف يومًا بعد يوم.
ثم تأتي شبكة الخنق اليومية لتُكمل وظيفة الجغرافيا المُجزأة: أكثر من 900 حاجز ومتراس حديدي وساتر ترابي خنقت الضفة وقطعت أوصالها وشلت حركة الفلسطينيين فيها. هنا لا يعود الحديث عن قيود مؤقتة، بل عن نظامٍ كامل لإعادة تشكيل الحياة: اقتصادٌ يتحرك بإذن، ومدينةٌ تنام على جدار، وقريةٌ تُدار كجزيرة، وناسٌ يُقاس مستقبلهم بمزاج الحاجز.
لكن المنعطف الأخطر يتجسّد في المرحلة الراهنة مع حكومة نتنياهو الحالية التي تُوصَف بأنها الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل، لأن ما كان يُدار في السابق كسياسة صامتة أو خطوات متدرجة بات يُطرح كنية معلنة لتكريس الاحتلال الدائم. وزير المالية بتسلئيل سموتريتش لم يُخفِ الهدف: ترسيخ مفهوم “فرض السيادة”، لا بوصفه شعارًا، بل كبرنامج عمل يومي. ترجمت هذه الرؤية عبر بناء بنية تحتية تمنع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، وعبر استيطان بلا توقف، وسيطرة بلا رقابة وبلا كوابح، وعبر منح وزاراته صلاحيات مباشرة على “الإدارة المدنية” المسؤولة عن تخطيط وبناء المستوطنات، بما يعني عمليًا نقل مفاتيح القرار من إطار “إدارة احتلال” إلى مؤسسات سياسة داخلية تُحرك الأرض كما لو كانت جزءًا طبيعيًا من الدولة.
ولأن السياق بدا مؤاتيًا—محليًا وإقليميًا ودوليًا—ظهر سباق واضح مع الزمن. في أغسطس الماضي، أُعلن عن الموافقة على إحياء مشروع مستوطنة E1 (إي-1) بين القدس الشرقية ومعاليه أدوميم، بوصفه خطوة تُقفل الباب أمام فكرة الدولة الفلسطينية: هدفٌ مُعلن هو دفنها لا التفاوض عليها. ومن هنا لا تتوقف المسألة عند مستوطنة إضافية، بل عند التحول القانوني الجذري الذي يُدفع باتجاهه تحت عنوان “فرض السيادة قانونيًا”: أي تلاشي تقسيمات “أ” و”ب” و”ج” التي جاء بها أوسلو، والانتقال من احتلال عسكري إلى تمديد القانون والإدارة الإسرائيلية على الضفة.
هذا التحول يعيد تعريف السكان والحدود والحقوق داخل منظومة واحدة: المستوطنون والمناطق الملحقة سيُعاملون كجزء من إسرائيل ويتمتعون بكامل الحقوق. وإسرائيل ستبقى صاحبة اليد العليا أمنيًا، لكن أدوات السيطرة ستنتقل من منظومة أوامر عسكرية إلى قانون داخلي وأجهزة شرطة وحرس حدود—أي من “احتلال يُدار بأوامر عسكرية” إلى “ضمّ يُدار كإدارة داخلية”، مع بقاء القبضة الأمنية كقدرٍ ثابت.
ومن هنا تُقرأ خطوات المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر الأخيرة على أنها ليست مجرد تسريع للاستيطان، ولا مجرد تفكيك للمرجعيات القانونية القائمة وتثبيت للسيادة بحكم الأمر الواقع؛ بل هي اندفاعة تتجه إلى ما يسميه مجلس المستوطنات الإسرائيلي: “استعادة أرض إسرائيل”. وعندما يتحوّل قاموس “الاحتلال” إلى قاموس “الاستعادة”، تصبح المعركة ليست على حدودٍ فقط، بل على معنى الأرض نفسه: هل هي أرضٌ محتلة تُلزم القانون بإنهائها… أم “أرض مستعادة” تُلزم السياسة بتكريسها؟ وفي هذا التحول تكمن خطورة اللحظة: أن يتحول المؤقت إلى دائم، والاحتلال إلى سيادة، والتقسيم إلى إلغاء، وأن تُصاغ كل هذه الانقلابات فوق الأرض… قبل أن تُكتب على الورق.


