في لحظات التحوّل الكبرى لا ينهار العالم بضربة واحدة، بل يتفلّت «المِكبح» أولًا. وهذا ما حدث تمامًا مع انتهاء معاهدة نيو ستارت في الخامس من شباط: آخر عقدٍ مُلزِم كان يضع حدًّا قانونيًا واضحًا لأكبر ترسانتين نوويتين على الأرض، الأميركية والروسية. بانتهاء المعاهدة، لا يعود السؤال: كم تملك واشنطن وموسكو؟ بل: من يضبط من؟ وبأي قواعد؟ وبأي شفافية؟
لقد شكّلت نيو ستارت، منذ دخولها حيّز التنفيذ عام 2011، حجرًا أساسًا في ما تبقّى من نظام ضبط التسلح بعد الحرب الباردة. كانت تضع سقفًا صارمًا للرؤوس النووية الاستراتيجية المنتشرة، وتفرض قيودًا على وسائل الإيصال الثقيلة: الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وصواريخ الغواصات النووية، والقاذفات الاستراتيجية، إلى جانب حد أقصى لمنصّات الإطلاق المنتشرة وغير المنتشرة. الأرقام كانت واضحة، لكنها لم تكن جوهر القصة وحدها.
الجوهر الحقيقي كان في نظام التحقق: تبادل دوري للبيانات، وإشعارات فورية حول التحركات والنشر، وتفتيش ميداني منتظم داخل أراضي الطرفين. هذه الآليات لم تكن تفصيلًا بيروقراطيًا؛ كانت «لغة مشتركة» تمنع الانزلاق في الأزمات، وتقلّص مساحة سوء التقدير، وتُخفّف من مفاجآت اللحظة النووية. حين تعرف أكثر، تخاف أقل—أو على الأقل تخطئ أقل.
غير أن هذا الإطار لم يسقط فجأة في يوم انتهاء مدته. كان يتآكل منذ سنوات: العلاقات بين واشنطن وموسكو هبطت إلى مستوى عدائي متصاعد، ثم جاءت الحرب في أوكرانيا لتدفع النظام كله نحو منطقة الشك. توقفت عمليات التفتيش عمليًا، قبل أن تعلن روسيا في عام 2023 تعليق مشاركتها في المعاهدة من دون الانسحاب الكامل منها. بذلك تحوّلت نيو ستارت من اتفاق يعمل… إلى مظلّة معلّقة: موجودة بالاسم، لكن قدرتها على صناعة الطمأنينة الاستراتيجية تتبخّر بالتدريج.
الآن، وبعد انقضاء المدة، سقط آخر ما تبقّى من منظومة الاتفاقات التي بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي لضبط سباق التسلح. لا توجد معاهدة بديلة جاهزة، ولا آلية تحقق مشتركة، ولا حتى مفاوضات معلنة تحمل عنوانًا واضحًا لما يلي. وهذا الفراغ ليس حادثًا تقنيًا بين دولتين؛ إنه تحوّل في طريقة إدارة الردع النووي عالميًا: من قواعد مكتوبة إلى تقديرات استخباراتية، ومن سقوف قانونية إلى حسابات سياسية متحركة.
أخطر ما في المرحلة الجديدة ليس أن طرفًا سيزيد فورًا عدد الرؤوس أو المنصات—بل أن العين التي كانت ترى أصبحت أضعف. مع غياب التحقق المنتظم، يعود كل طرف إلى الرصد غير المباشر لتقدير قدرات الآخر ونواياه. هنا تتعاظم احتمالات سوء التفسير: مناورة تُقرأ كتحضير، تحديثٌ يُقرأ كتهديد، صمتٌ يُقرأ كخديعة. وفي بيئة دولية مشحونة، يصبح الخطأ الصغير قابلًا لأن يتضخم بسرعة، لأن كوابح الشفافية لم تعد تعمل كما كانت.
ثم يفتح الفراغ القانوني الباب لسباق تسلح «صامت». حين تغيب السقوف، يمكن إعادة نشر رؤوس مخزّنة، أو رفع جاهزية أنظمة إطلاق، أو تعديل نمط الانتشار بسرعة… من دون إعلان رسمي كبير. والنتيجة واقع نووي أكثر ديناميكية، أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر ارتباطًا بتقلبات السياسة ومزاج الأزمات.
ولأن انهيار الإطار الثنائي لا يبقى ثنائيًا، فإن الرسالة تمتد فورًا إلى بقية القوى النووية. حين تفشل أكبر دولتين نوويتين في الحفاظ على آخر عقد مُلزم، تصبح الإشارة واضحة: الضوابط تتراجع لصالح منطق القوة والردع المفتوح. وهنا تتقدّم الصين إلى واجهة الأسئلة. واشنطن تُلمّح إلى أن أي إطار مستقبلي يجب أن يتّسع ليشمل بكين التي توسّع قدراتها النووية، لكن الصين ترفض الدخول في ترتيبات تقييدية مشابهة، معتبرة أن ترسانتها لا تزال أقل بكثير من الترسانتين الأميركية والروسية. وبين مطلب التوسيع ورفض الانخراط، تُولد معضلة جديدة: اتفاق ثنائي لم يعد كافيًا، واتفاق ثلاثي يبدو بعيدًا.
وسط هذا الانسداد، يلوح سيناريو هشّ: قيود طوعية أو تفاهمات سياسية غير ملزمة تحافظ مؤقتًا على بعض الحدود القائمة. لكنها حلول من نوع “تهدئة بلا ضمانات”: قد تُخفف التصعيد على المدى القصير، لكنها قابلة للانهيار عند أول تغيير سياسي، أو عند أول أزمة عسكرية مفاجئة.
وفوق كل ذلك، هناك عامل يكسر القوالب القديمة: التكنولوجيا. الأسلحة الفرط صوتية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في أنظمة الإنذار المبكر، وتطور الدفاعات الصاروخية… كلها عناصر لم تكن جزءًا أصيلًا من هندسة اتفاقات الحرب الباردة. ومع كل عنصر جديد، تتعقد معادلة الضبط: ما الذي يُقيَّد؟ ماذا يُحسب “استراتيجيًا”؟ وكيف تُبنى آليات تحقق تلاحق سرعة التقنية وتلاعبها؟
لهذا، لا يدخل العالم ما بعد نيو ستارت وهو أكثر أمنًا، بل أكثر غموضًا. تتراجع القواعد، وتتقدم الحسابات العسكرية، وتصبح إدارة المخاطر النووية رهينة ميزان توتر عالمي قابل للاختلال في أي لحظة. في زمن المعاهدات كانت هناك عبارات واضحة تقول: هنا الحد، وهنا التفتيش، وهنا الإخطار. أمّا الآن، فالعالم يقف أمام معادلة أبسط وأخطر: النووي موجود… لكن الحارس غائب.


