في طرابلس، لا ينهار المبنى… تُسقطه البلدية بالتقسيط. تُسقطه حين ترى التشقّق وتعتبره “تفصيلاً”، وحين تسمع استغاثة السكان وتؤجّلها، وحين تُراكم الإهمال حتى يصبح السقف فخّاً جاهزاً للانقضاض. هنا لا حاجة لزلزال كي تقع الكارثة؛ يكفي أن تبقى بلدية طرابلس على حالها: تنام فوق ملفّ الخطر، وتستيقظ فقط لتعدّ الضحايا. المدينة تُرسل إنذاراتها كل يوم—شقوقٌ تكبر، رطوبةٌ تلتهم الحديد، روائح صرفٍ تغرق الملاجئ—لكن البلدية تتقن فنّ اللامبالاة كأنه وظيفة رسمية: لا مسح، لا طوارئ، لا خط ساخن، لا كشف وقائي… فقط صمتٌ ثقيل يُدار كسياسة، ثم خطابٌ بارد بعد الانهيار. وفي بلدٍ يقع على فوالق زلزالية، تتحوّل هذه اللامبالاة إلى جريمةٍ مكتملة: السقف لا يسقط صدفة… يسقط لأن أحداً قرر أن لا يتحرّك قبل السقوط.
هذه ليست حكاية إسمنتٍ متعب فحسب. هذه حكاية ناس يُساقون إلى خيارٍ واحد: أن يناموا تحت أي سقفٍ يجدونه، ولو كان سقفاً يتدرّب على أن يتحوّل إلى تابوت. مبانٍ عمرها مئات السنين لم تخضع لترميمٍ أو كشف، وأخرى وُلدت عشوائية في مواسم الفوضى بلا تراخيص ولا رقابة، وثالثة “تتجمّل” من الخارج فيما الداخل يتفتّت: شرفة أُضيفت، طابقٌ ارتفع، خزان مياه رُبط بأساساتٍ هزيلة… وكل إضافةٍ غير محسوبة كانت تُشبه وضع حجرٍ آخر على صدر إنسانٍ يختنق. ومع ذلك، ظلّت بلدية طرابلس تتعامل مع الشقوق كأنها زينة، ومع الإنذارات كأنها شائعات، ومع الخطر كأنه شأنٌ يخصّ الفقراء وحدهم.
والأرقام لا تترك مجالاً للتمثيل. يُقدّر عدد المباني المهدّدة بالسقوط في لبنان بنحو 16,250 مبنى. في طرابلس وحدها يقارب العدد 4,000 مبنى، ويُعتقد أن ما بين 700 و1,000 منها في مرحلة خطرٍ متقدّم، فيما هناك نحو 105 مبانٍ يُخشى انهيارها في أي لحظة وتستوجب إخلاءً فورياً. وفي بيروت نحو 10,460 مبنى مهدّدة بدرجات متفاوتة.
هذه ليست “إحصاءات” تُحفظ في الأدراج… هذه خريطة موت. والسؤال الذي يفضح الجميع: ماذا فعلت بلدية طرابلس أمام رقم 105؟ ماذا فعلت بين انهيارٍ وانهيار؟ ماذا فعلت قبل أن تتحوّل الكلمات إلى ركام؟
الجذر معروف، وكل طرابلس تعرفه. أحياءٌ شعبية نشأت منذ ستينيات القرن الماضي كمناطق استقبال لنزوح أهالي الريف إلى المدينة بحثاً عن العمل. مبانٍ باطونية بسيطة قليلة الكلفة، بلا تخطيط عمراني متكامل ولا شروط إنشائية عالية. يومها كانت المواد وتقنيات البناء مختلفة جذرياً: رمل البحر والصدف والحديد الأملس—مواد تُقصّر العمر الإنشائي بطبيعته، فتجعل المبنى “قصير العمر” قبل أن يبدأ عمره. ثم جاء ما يُنقص العمر أكثر: غياب الصيانة الدورية، اهتزازات الحرب وجولات العنف، التعدّيات العمرانية اللاحقة، والضغط المتزايد على هياكل لم تُبنَ لتصمد أمام هذا الحجم من الاستهلاك، وصولاً إلى أثر الزلازل والهزّات الارتدادية التي زادت الجسد تصدّعاً.
حتى الأبنية التراثية الحجرية لم تسلم من العبث. في مناطق مثل باب التبانة وضهر المغر، أُضيفت طبقات إسمنتية فوق الحجر، فاختلّ التوازن الإنشائي، وكأن المدينة تُعالِج هشاشتها بزيادة وزنها. ومع الكثافة السكانية المفرطة، تقسيم الشقق، إضافة خزانات المياه، تسرّب المياه الآسنة إلى الملاجئ نتيجة انهيار البنية التحتية، وقانون إيجارات عطّل الصيانة وحوّل الإصلاح إلى نزاعٍ دائم… صارت هذه الأحياء أحزمة بؤس تُحيط بالمدينة وتضغط عليها، وتحولت مبانيها إلى قنابل موقوتة. لكن القنبلة لا تنفجر وحدها—هناك من يترك الفتيل مشتعلاً ويتظاهر أنه لا يشمّ الدخان.
طرابلس أخذت مكياجاً… ولم تأخذ إنقاذاً. زُيّنت الواجهة وبقيت العظام مهترئة. ولو وُجّهت هذه الأموال وحدها إلى برنامج كشفٍ شامل وتدعيمٍ وهدمٍ للخطِر وإعادة تنظيم للأحياء، لكان بالإمكان اليوم تفادي الكارثة وإنقاذ أرواح المئات. لكن منطق الإدارة كان: “جمّلوا الصورة… واتركوا الداخل للهشاشة”.
ثم تعود المسؤولية لتجلس حيث يجب أن تجلس: عند بلدية طرابلس. فالبلدية لا تستطيع أن تُقنع الناس بأن “لا مال” يعني “لا واجب”. حتى في غياب التمويل، كان يمكن—ويجب—رفع الصوت، إعلان حالة طوارئ، وضع الدولة أمام مسؤولياتها، طلب مؤازرة مهندسين متطوعين لإجراء كشوفات ومسوح عاجلة، إنشاء آلية تواصل، وضع “خط ساخن” للتبليغ، نشر لوائح بالمباني الخطرة، وتنظيم الإخلاءات قبل أن تتحول إلى فوضى بعد الانهيار.
بل أكثر من ذلك، هناك حالات موثّقة لسكان من أبنية منهارة حاولوا التواصل مع البلدية قبل الكارثة من دون أي استجابة. لا خط ساخن، لا آلية، لا أذنٌ تسمع. وفي الفترة الفاصلة بين انهيارٍ وآخر، السؤال الذي يجرح: هل قام أي طرف بمسحٍ جدي؟ هل جرى كشفٌ وقائي على الأبنية المهدّدة؟ لم يحصل شيء يوازي حجم الخطر، فيما لبنان أصلاً يقع على فوالق زلزالية متعددة، ما يجعل البلاد كلها قنبلة موقوتة إذا وقعت هزّة جدية. ومع ذلك، ترتكب بلدية طرابلس ما يمكن تسميته “الخطأ القاتل”: الامتناع عن إعلان حالة طوارئ واتخاذ إجراءات استثنائية، كأن الموت يحتاج إلى رخصة كي يعترفوا به.
ثم يأتي باب الفوضى التنظيمية—والبلدية هنا ليست ضحية بل جزء من المشكلة. فاعتماد رخص البناء الاستثنائية، ولا سيّما رخصة 150 متراً مربعاً التي تُمنح من البلديات من دون المرور بالتنظيم المدني أو نقابة المهندسين، فتح الباب أمام مخالفات تبدأ “صغيرة” ثم تتمدّد إلى 400 و500 متر من دون أي إعادة تقييم إنشائي. ومع غضّ الطرف عن مخالفات الارتفاع وعدد الطوابق، والبناء على ترب رملية وساحلية بلا رقابة، والتعديلات الداخلية غير المصرّح عنها… يصبح الانهيار نتيجة طبيعية لمسارٍ تُسهّل البلدية إنتاجه ثم تتبرّأ من نتائجه.
لهذا، لا يحق لأحد أن يقول بعد اليوم: “المباني تنهار صدفة”. الصدفة بريئة. الذي يحدث في طرابلس هو أن المدينة تُدار بمنطق التأجيل، وأن بلديتها تمارس فنّ الهروب من المسؤولية حتى تتساقط الأسقف كأنها عقوبة جماعية.
طرابلس لا تحتاج بيانات بعد الانهيار… طرابلس تحتاج بلدية تستيقظ قبل أن يتحوّل كل بيتٍ فيها إلى خبرٍ عاجل.
فالسقف حين يسقط لا يقتل وحده—إنه يفضح. يفضح بلديةً جعلت من الصمت سياسة، ومن الأعذار إدارة، ومن الفقر شماعةً لتعليق أرواح الناس عليها.


