لم يكن الانهيار المالي حادثةً طارئة خرجت من العدم، ولا زلزالاً ضرب “الثقة” ثم مضى. الانهيار هو لحظةُ الحقيقة التي وصل فيها بلدٌ كامل إلى آخر الخيط: حين ينفد الوهم، يظهر النظام كما هو—عاريًا، صلبًا، وعنيدًا. نحن لا نعاين مشكلة سيولة، بل نعاين سيرةَ عقودٍ من تراكمٍ بُنِي على قاعدة واحدة: أن يربح القلة في زمن “الاستقرار”، وأن يدفع الجميع حين يسقط السقف.


الفكرة الأكثر خداعًا في الخطاب السائد هي تصوير الدولة كأنها “وسيطٌ” محايد بين المصارف والمودعين، تقف في المنتصف كقاضٍ حنونٍ يوازن بين طرفين. هذا توصيفٌ يريح الجميع لأنه يُسقط عن الدولة صفتها كطرفٍ مؤسس في اللعبة. لكن الدولة اللبنانية لم تكن يومًا مجرد حكمٍ بين خصمين. هي كانت جزءًا من التحالف الذي صنع النموذج وحماه وشغّله. الدولة هنا ليست خارج الصراع الاجتماعي؛ هي إحدى أدواته: تُشرّع، تُغطي، تُبرّر، وتعيد ترتيب الوقائع حين تنكشف.


في لبنان، لم تتشكل الدولة كدولةٍ تُنظّم الإنتاج وتبني اقتصادًا حقيقيًا. تشكّلت كدولة وساطة: تستجلب الدولار من الخارج بطرقٍ متعددة—تحويلات، استدانة، فوائد مرتفعة، رساميل سريعة—ثم تعيد تدويره داخل دائرة ضيقة تربط السياسة بالمال. ليست وظيفة الدولة أن تصنع التنمية، بل أن تدير “الممر”: ممرّ الدولار، ممرّ الريع، ممرّ الولاءات. من هنا، العلاقة بين الدولة والمصارف ليست حادثًا عرضيًا يمكن تسميته “فسادًا” ثم إقفاله. هي علاقة تطابقٍ وظيفي: الدولة تمنح الغطاء القانوني والسياسي، والمصارف تمنح التمويل الذي يُبقي النظام السياسي قائمًا، ويشتري الوقت، ويُنعش الزبائنية، ويؤجّل الانفجار.


لهذا، حين يُرفع اليوم شعار “معالجة الأزمة” أو “توزيع الخسائر”، يجب أن يُقرأ بحذر: في كثير من الحالات ليس مشروع خروجٍ من الانهيار، بل مشروع إدارة الانهيار. أي إعادة تنظيم السيطرة بعد سقوط الأقنعة، وترتيب الخسارة كي تصبح مقبولة، وتقديمها كـ “ضرورة وطنية”، بدل فتح سؤال المسؤولية: من صنع هذا النموذج؟ من استفاد منه؟ من راكم الأرباح؟ من فتح أبواب الخروج عند اللحظة الحرجة؟
الانهيار هنا لا يكشف “فشلًا” بريئًا، بل يكشف نجاحًا قاسيًا لوظيفة النظام حتى النهاية: الأرباح خُصخصت حين كان الضوء ساطعًا، والخسائر تُعمَّم الآن حين أظلمت الغرفة.


في قلب هذا المشهد، تأخذ “الهندسات المالية” معناها الحقيقي بعيدًا عن لغة المصطلحات الباردة. لم تكن مجرد أدوات استثنائية لإدارة النقد. كانت آلة تحويل: ودائع الناس صارت وقودًا يمول عجز الدولة، ويُضخّ في شرايين نظامٍ يحتاج دائمًا إلى أكسجين جديد. وفي المقابل، نالت المصارف أرباحًا استثنائية شبه مضمونة، لأن المخاطر صُممت لكي تُرمى خارجها عند الحاجة. هكذا تآكلت احتياطات المصرف المركزي، وتضخم الوهم… إلى أن انفجر.


وعندما يقال “المال اختفى”، تُقدّم الجملة كأنها لغز. لكنها ليست لغزًا. المال لا يتبخر في اقتصادٍ كهذا؛ المال يتحوّل وجهته. ينتقل من جيوب المجتمع إلى شبكة مصالح متداخلة: فوائد مرتفعة، أرباح مُقفلة، تحويلات انتقائية، وممرات خروج مفتوحة لمن يملك المفتاح. تحويل هذا المسار إلى مسألة محاسبية صرفة يشبه وضع حجابٍ على الجريمة كي تبدو كحادث سير: فصل الأرقام عن السياسة، وفصل الخسائر عن المسؤوليات.


ولا يُفهم هذا كله إذا عُزل عن مسار ما بعد الحرب. منذ التسعينيات، أُعيد تركيب الدولة والاقتصاد على نموذج خدماتي–مالي: تثبيت سعر الصرف كإنجاز، اجتذاب الرساميل السريعة كهدف، الاستدانة كوسيلة حكم، والفائدة المرتفعة كإغراء دائم. لم يكن ذلك خيارًا تقنيًا محضًا؛ كان مشروعًا سياسيًا أعاد تعريف الدولة: من رافعة تنمية إلى ضامن ريعي، من إدارة للحقوق إلى إدارة للديون. هكذا تحوّلت الدولة إلى مدين دائم، والمصرف المركزي إلى حارس لواجهة الاستقرار، والمصارف إلى شريك فعلي في السلطة لا مجرد قطاعٍ يعمل في السوق.


وفي هذا النموذج، لم يعد المصرف المركزي سلطة نقدية تُصالح النقد مع الاقتصاد الحقيقي. صار أقرب إلى غرفة تحكم تُدير التدفقات وتطيل عمر المشهد. جرى فصل النقد عن الإنتاج، وصار المطلوب تثبيت “الصورة” ولو كان الجسد يتآكل. أُلغي معنى المخاطرة عن المصارف عمليًا: طالما هناك من يضمن لها ألّا تُحاسب، ستُضاعف رهاناتها. وهكذا أُجّل الانفجار مرة بعد مرة، لا بإزالة الأسباب، بل بتكبيرها… حتى صار الانفجار بحجم بلد.


ثم يأتي البعد الخارجي الذي يحب كثيرون التعامل معه كإما شماعة أو تبرئة. الحقيقة أكثر قسوة: المؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة لم تكن دائمًا طرفًا محايدًا “يساعد”. في كثير من الأحيان ساهمت في تمديد عمر النموذج بدل تغييره. التمويلات المشروطة ومؤتمرات الدعم لم تُوجَّه لبناء قاعدة إنتاجية أو لإعادة هيكلة الاقتصاد من جذوره، بل غالبًا لخدمة الدين القائم، وتثبيت سعر الصرف، وحماية النظام المالي، وتمرير الوقت. هكذا صار الدين أداة ضبطٍ سياسي واجتماعي: ليس رقمًا في الموازنة فقط، بل علاقة سلطة تقيد الخيارات وتعيد توجيه السياسات، وتفرض سقف الممكن. إنها هيمنة لا تحتاج إلى احتلالٍ مباشر؛ يكفيها عقد دينٍ طويل وشروطه.

وعندما وصل البلد إلى حافة السقوط، ظهرت الحقيقة الطبقية على شكلها العاري: القيود لم تُطبّق بالعدالة نفسها على الجميع. لم يكن هناك “قانون” واضح يساوي بين المودعين ويحدد الممنوع والمسموح. كان هناك حصار فعلي على المجتمع… مع استثناءات. الغالبية مُنعت من الوصول إلى مدخراتها، بينما بقيت منافذ الخروج—بأشكال متعددة—متاحة لمن يملك موقعًا في شبكة السلطة أو قربها. الانتقائية هنا ليست تفصيلاً؛ هي المفتاح. النظام، في لحظة الخطر، يحمي نواته الصلبة أولاً: أصحاب النفوذ، حلقات القرار، مراكز المال التي تضمن استمرار الهيمنة، ثم يطلب من المجتمع أن يتعايش مع الانكسار.


ومن هنا نفهم لعبة المفاهيم التي تُدار بها الأزمة. مثلًا: “الفجوة المالية”. يُقدّمونها كرقمٍ محايد يحتاج إلى توزيع تقني. لكن الفجوة ليست “صدفة محاسبية”. هي الاسم الحسابي لمسار تاريخي من نقل الثروة صعودًا. تحويلها إلى رقمٍ منفصل عن سياقه يعني محو السؤال الذي يُخيفهم: من راكم؟ من ربح؟ من خرج بأمواله؟ ومن يُطلب منه الآن أن يدفع “فاتورة الوطن”؟


في لحظات الانهيار البنيوي، يتغير دور القانون. لا يعود مجرد تنظيم لحياة اقتصادية طبيعية، بل يصبح أداة إدارة الاستثناء: ترتيب الخسارة، تبريد الغضب، وإعادة بناء الشرعية بلغة “الواقعية” و“الخوف من الفوضى”. القوانين التي تُطرح اليوم كثيرًا ما تُصمّم لتجعل الخسارة تبدو قدرًا عامًا، لا نتيجة خيارات محددة، ولتُحوّل الانهيار من قضية مسؤولية إلى قضية تقاسم ألم. هنا تستعيد الدولة وظيفتها في الأزمة: حماية النظام، لا حماية المجتمع.


حتى “الخلافات” داخل القطاع المصرفي لا ينبغي أن تُؤخذ بوصفها صحوة ضمير. هي غالبًا اختلافات على التموضع داخل الخسارة: أي مصرفٍ يتحمّل أكثر؟ أي مصرفٍ يخرج بأقل ضرر؟ أي مصرفٍ يخاف من تبعات قضائية أو سياسية؟ لكن الجوهر واحد: نفي المسؤولية البنيوية، وإعادة تقديم المصارف كوسيطٍ محايد، ثم دفع العبء نحو الدولة، وصولاً إلى الطرح الأخطر: الاستحواذ على أصول الدولة كحل “منطقي”. هذا الطرح ليس تقنية، بل سياسة طبقية: نقل الخسارة من رساميل خاصة إلى ملكية عامة، أي تحميل المجتمع ثمن الإنقاذ عبر خصخصة ما يفترض أنه قاعدة الحقوق الاجتماعية.


وفي قلب كل ذلك، يُعاد تشكيل المودع بوصفه ذاتًا يجب أن تقبل الخسارة كأنها تضحية وطنية. يُطلب منه أن يبتلع رواية “لا خيار”، وأن يتماهى مع “الواقعية” كما تُعرّفها الطبقة الحاكمة: لا تغيّروا شيئًا جذريًا، لا تهزّوا النظام، خافوا من البديل. هنا تعمل الهيمنة بأشد صورها: ليس بالقسر وحده، بل بفرض سرديةٍ تصبح “العقل السليم” في أذهان الناس. وتلتقي هذه الهيمنة الداخلية مع ضغط الخارج: ليس لأن الداخل ضحية بريئة والخارج شيطان مطلق، بل لأن هناك بنية داخلية صُممت تاريخيًا لتكون قابلة لهذا الاندماج التابع، وتعيد إنتاجه وتعيش عليه.


لذلك، الأزمة ليست أزمة أدوات مالية فقط. إنها أزمة معنى: معنى الدولة، معنى الاقتصاد، معنى العدالة. وما لم يتشكّل مشروع مضاد—سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا—يكسر سردية “القدر المالي”، ويعيد تنظيم الوعي الاجتماعي، ويصنع كتلة قادرة على فرض بديل، ستبقى التشريعات مجرد وسائل لإعادة إنتاج السيطرة، وسيظل الانهيار وضعًا مقيمًا لا مرحلة عابرة.
المعركة ليست على الأرقام فحسب، بل على اللغة التي تُحوّل النهب إلى “فجوة”، وعلى الرواية التي تُحوّل الجريمة إلى “واقعية”، وعلى تعريف الدولة نفسه: هل هي جهاز لحماية المجتمع… أم مظلة دائمة لتحالف المال والسلطة؟