حين تتحوّل “الوثيقة” إلى نافذة، لا يعود السؤال: ماذا فعل جيفري إبستين؟ بل: من الذي كان يملك رفاهية الاقتراب منه، ولماذا؟ فالقضية، كما تتسع اليوم، لا تُشبه فضيحة رجل ثريّ سقط أخلاقياً وانتهى في زنزانة؛ بل تُشبه خريطة علاقاتٍ ومالٍ وواجهاتٍ تُدار ببرودة، حيث تُستخدم الأعمال الخيرية أحياناً كجسرٍ ناعم نحو دوائر شديدة الصلابة.


الاهتزاز الأكبر يظهر في إسرائيل، لأن ما يتسرّب لا يقتصر على صورٍ أو صداقاتٍ محرجة، بل يلامس نمطاً: ثروة تتحرك داخل الولايات المتحدة عبر مؤسسات “غير ربحية”، فتدعم جامعات ومراكز أبحاث وهيئات تحمل عناوين ثقافية واجتماعية، فيما يقع جزءٌ من أثرها—مباشرة أو بالالتفاف—في منطقة اللوبي الصهيوني وشبكات دعم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.


بحسب ما تبيّنه بيانات ضريبية منشورة ضمن مواد رسمية أميركية، يتّضح أن إبستين ضخّ خلال سنوات طويلة مبالغ كبيرة قُدّرت بعشرات الملايين—قرابة ثلاثين مليون دولار—على امتداد نحو عقدين. الوجهة لم تكن واحدة: هناك جامعات مرموقة مثل “هارفرد” وجامعة ولاية أوهايو، وهناك أيضاً مؤسسات بحثية ومراكز تتبنّى سرديات صهيونية، إلى جانب كيانات تضع على واجهتها شعار “العمل الإنساني” فيما تمارس دوراً واضحاً في دعم إسرائيل سياسياً أو عسكرياً.


ومن أكثر الأمثلة وضوحاً في هذا المسار منظمة “أصدقاء الجيش الإسرائيلي” في الولايات المتحدة؛ وهي قناة معترف بها هناك لجمع الأموال لصالح جيش الاحتلال، وتقديم خدمات ومساعدات لجنوده وعائلاتهم. السجلات تُظهر مساهمة لإبستين في عام 2005 بقيمة 25 ألف دولار. وتتفرّع هذه المنظمة في عدد كبير من الولايات الأميركية، وتعود نشأتها إلى بدايات الثمانينيات على يد ناجين من المحرقة—وهو تفصيل يمنحها، في المخيال الأميركي، حصانة رمزية تجعل مساءلتها أكثر تعقيداً.


ولا تقف القصة عند جمعية واحدة. السجلات نفسها تعكس دعماً لعدد كبير من المنظمات الصهيونية داخل الولايات المتحدة—يتجاوز العشرات—بما يشمل تمويل مشاريع دينية وتعليمية، وبناء معابد، وتمويل نشاطات تُقدَّم كـ“برامج تواصل” أو مخيمات تجمع طلاباً من مدارس إسرائيلية وفلسطينية في ولاية مين. الشكل يبدو اجتماعياً، لكن وظيفته في كثير من الحالات هي إعادة إنتاج خطابٍ سياسي داخل بيئة أميركية شديدة الحساسية تجاه هذه العناوين.


وفي قلب الآلية المالية نفسها تظهر هندسة “قانونية” مألوفة: نموذج 990 الذي يُستعمل لإعلان نشاط المؤسسات غير الربحية، ويتيح في حالات كثيرة خصومات أو منافع ضريبية للمتبرعين. وهنا يبرز أن إبستين لم يتحرك كفردٍ يكتب شيكاتٍ فقط، بل عبر شبكة كيانات غير ربحية امتلكها وأدارها—من بينها مؤسسات تحمل أسماء مثل “Epstein Interest” و“COUQ” وكيان يُعرف باسم قريب من “American Gratitude”، إضافة إلى مؤسسة مسجلة في جزر العذراء. النتيجة ليست مجرد تبرع؛ بل منظومة تدفقٍ مالي تمنح المال وظيفة مزدوجة: شراء صورة عامة، وفتح أبواب نفوذ، وتقليل كلفة الضرائب في الوقت نفسه.


إلى جانب خط المال، يعود اسم عائلة ماكسويل إلى الواجهة، ليس بوصفها تفصيلاً عاطفياً في سيرة شريكة إبستين السابقة فحسب، بل بوصفها عقدة رمزية وسياسية. فوالدها روبرت ماكسويل ارتبط اسمه في روايات متعددة بملفات سلاح وعلاقات مع أسماء نُسبت إلى بيئات قريبة من “الموساد”، مثل آري بن ميناشي ونِك ديفيز. وحتى مشهد جنازته ودفنه في جبل الزيتون يُستعاد كإشارة سياسية أكثر منه طقساً شخصياً: كأن الدولة تُسجّل موقفاً من الرجل، أو على الأقل تُضفي على حضوره معنى “أكبر من فرد”.


ثم تأتي الزاوية الأكثر تفجيراً داخلياً في إسرائيل: علاقة إبستين بإيهود باراك. المعطيات المتداولة من الوثائق تشير إلى زيارات متكررة لمنزل إبستين في نيويورك تجاوزت الثلاثين زيارة بين 2013 و2017، وإلى تواصل كتابي امتد سنوات. بعض الإعلام الإسرائيلي ركّز على مضمون سياسي داخل هذه المراسلات، خصوصاً الهواجس الديموغرافية القديمة لدى النخبة الإسرائيلية وخوفها من التحول نحو واقع الدولة الواحدة، بما يهدد تصورها لـ“يهودية الدولة”. وفي المراسلات أيضاً ما يفضح جانباً اجتماعياً قاسياً: لغة تمييز ضد اليهود الشرقيين تنسجم مع إرث طويل من التفوق الأشكنازي في البنية الثقافية والسياسية داخل إسرائيل.


باراك، في دفاعه العلني، حاول رسم خط فصلٍ زمني: أبدى أسفاً لاستمرار العلاقة بعد إدانة إبستين الأولى عام 2008، وقال إن كثيرين لم يكونوا يعرفون حجم ما كان يدور في الخلفية. أعاد بداية التعارف إلى عام 2003 عبر تقديم من شيمون بيريز، واعتبر أن عام 2019 كان لحظة الانقطاع الواسع عندما عاد التحقيق إلى الواجهة بقوة. وحول الجزيرة سيئة السمعة، قدّم رواية مقتضبة: زيارة واحدة قصيرة نهاراً وبصحبة زوجته وحراسة، مع إنكار أي احتكاك بغير إبستين وبعض العاملين.


لكن إسرائيل، كعادتها، لا تترك مادة كهذه في الأدراج. اليمين الذي يصطدم بباراك منذ سنوات وجد فيها ذخيرة جاهزة لتقويض صورته، خصوصاً أنه يطرح نفسه من موقع معارض لحكومة نتنياهو. وهكذا خرج الملف من دائرة “الفضيحة الدولية” إلى السوق الداخلية: اتهام مقابل اتهام، وتصفية حسابات تحت سقفٍ واحد.


وإذا كان من خلاصة يمكن قراءتها بعيداً عن الضجيج، فهي أن “وثائق إبستين” لا تكشف فقط عن رجلٍ وشبكاته، بل عن طريقة عمل: كيف تُدار العلاقات بين رأس المال واللوبيات والمؤسسات غير الربحية، وكيف يصبح العمل “الخيري” في بعض الحالات واجهة لتمويل نفوذ سياسي وعسكري. كل وثيقة جديدة لا ترفع الغطاء عن شخصٍ واحد فقط، بل تفتح سؤالاً أشد إزعاجاً: كم من “الشرعية” تُشترى… وكم من “الإنسانية” تُستخدم كختم مرور؟