على إيقاع توتّرٍ عاد يتصاعد بعد زيارة بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض، يعود اسم جنيف إلى الواجهة كمحطةٍ محتملة لجولة جديدة من المحادثات بين طهران وواشنطن. الجولة الأولى كانت أقرب إلى اختبار نبضٍ وكسرٍ للجليد بين خصمين استنزفتهما سنوات انعدام الثقة، أمّا الجولة الثانية—إن انعقدت—فلن تملك رفاهية العموميات، لأن لحظة “التعارف الدبلوماسي” تنتهي سريعاً عندما يبدأ تبادل الأوراق: مقترحاتٌ تُترجم الشروط، وسقوفٌ تُعلن بلا رتوش، ومقايضاتٌ لا تُقال إلا على طاولةٍ تُدار فوقها الحسابات الباردة.
الملفات معروفة، لكن ترتيبها هو جوهر الصراع. النووي الإيراني ليس بنداً تقنياً وحسب، بل عنوانٌ سياسي يختبر معنى الاعتراف والردع و”حقّ التخصيب”. برنامج الصواريخ البالستية ليس تفصيلاً عسكرياً، بل في نظر طهران عمودٌ من أعمدة توازنها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي نظر واشنطن وحلفائها عاملُ تهديدٍ لا يمكن تركه خارج أي صيغة. ثم تأتي العقوبات، كقفلٍ اقتصاديّ لا ترى إيران أي اتفاقٍ “مجدياً” من دونه، فيما تتعامل واشنطن معه كرافعة ضغط ينبغي ألا تُسلَّم مجاناً. هنا بالضبط تتبدّى الفجوة: الطرفان يتحدثان عن “اتفاق”، لكنهما يختلفان على معنى الاتفاق نفسه، وعلى ما يُعتبر “تنازلاً” وما يُعتبر “حقاً”.
وسط هذا الاشتباك، يواصل البيت الأبيض إرسال إشاراتٍ متناقضة، أو متعمَّداً إبقاء المشهد ضبابياً. مرةً يلوّح دونالد ترامب بأن تغيير النظام قد يكون “أفضل ما يمكن أن يحدث”، ثم يحرص في الوقت نفسه على عدم قطع خيط الدبلوماسية الرفيع. وفي اليوم التالي يُنقل عن ماركو روبيو حديثٌ عن استعدادٍ للقاء المرشد الإيراني إذا وافق، من دون إسقاط الخيار العسكري من الحسابات. هذا التذبذب لا يُقرأ دائماً كارتباك؛ أحياناً هو سياسة بذاتها: مزيجٌ من التهديد وترك الباب موارباً، لإجبار الخصم على الدخول إلى التفاوض وهو يشعر بأن البديل قد يكون أثقل كلفةً من أي تنازلٍ محسوب.
لكن السياسة لا تُقاس بالكلام وحده، خصوصاً حين تتحرك الجغرافيا العسكرية في الوقت نفسه. القيادة المركزية الأميركية تواصل تعزيز حضورها في الشرق الأوسط، وآخر الإشارات الميدانية تمثّلت بإعطاء ترامب الضوء الأخضر لتحريك حاملة الطائرات “جيرالد فورد” إلى المنطقة. المفاجأة هنا أنّ تقديراتٍ عديدة كانت تتوقع أن تكون أي حاملة إضافية من طراز آخر، فإذا بالاختيار يقع على فورد تحديداً، بما تحمله من رسالةٍ مزدوجة: الإسراع في استكمال الاستعدادات الميدانية، ورفع سقف الردع بأداةٍ ثقيلة يصعب التعامل معها كاستعراضٍ عابر. فورد ليست مجرد قطعة بحرية إضافية؛ هي “منصة قرار” عائمة، تُستخدم في لحظات الضغط القصوى لتقول إن واشنطن تريد أن تكون جاهزة—وبسرعة.
دلالات فورد ليست تقنية فقط، وإن كانت التقنية تخدم السياسة: قدرتها على الوصول إلى الشرق الأوسط خلال نحو أسبوعين كحد أقصى بعد انطلاقها من البحر الكاريبي، واعتمادها على محرّكات نووية تمنحها دفعاً واستمرارية وحركة أسرع، يجعلها أداة مناسبة لمن يريد أن يضغط بالزمن لا بالقوة وحدها. ومع انضمامها إلى “أبراهام لينكولن” الموجودة في بحر العرب مع مجموعتها القتالية، وإلى المدمرات المنتشرة بين الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر وشرق المتوسط، تصبح الصورة أوضح: واشنطن تبني “شبكة حضور” أكثر منها عملية واحدة. لينكولن تحمل أسراباً مقاتلة هجومية ودفاعية وطائرات استطلاع وحرب إلكترونية، لكن المقارنة بينها وبين فورد تكشف المقصود من الإضافة: رفع مستوى الجهوزية إلى أقصى ما يمكن، وإفهام الخصم أن التفاوض يجري فيما القوة تُرتَّب لتكون خياراً قابلاً للتفعيل لا مجرد تهديدٍ في خطاب.
في المقابل، لم تُظهر إيران تبدّلاً في مقاربتها المعلنة. هي تقول إنها مستعدة لاتفاقٍ بشأن البرنامج النووي من دون التخلّي عن “حقّها الأصيل” في التخصيب، وترفض بشكلٍ قاطع أي تقييد لبرنامج الصواريخ البالستية. بالنسبة إلى طهران، الصواريخ ليست بنداً تفاوضياً بل ضمانة بقاء: أداة ردعٍ أولى، ورسالة جاهزة للردّ على أي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وتُقدَّم هذه المنظومة بوصفها من الأكبر في الشرق الأوسط، مع طرازات ومديات متعددة طُوّرت اعتماداً على نماذج روسية وكورية شمالية، ومع بنية تحتية توحي بأن المسألة ليست “ترسانة” فقط بل “عقيدة” دفاعية كاملة.
العام الماضي زادت هذه العقيدة حضوراً في النقاش، مع الحديث عن “مدن صاروخية” موزعة على الجغرافيا الإيرانية. تقدير معهد دراسات الحرب أشار إلى وجود خمس مدن صاروخية على الأقل، في سياق المواجهة بين طهران والولايات المتحدة وإسرائيل خلال الصيف الماضي، ثم جاء الحديث عن ضربات جوية ألحقت ضرراً بمنصات إطلاق الصواريخ، مع تقديرٍ يفيد بأن ثلثها دُمّر، بينما بقي حجم الضرر في المخزون نفسه صعباً على القياس الدقيق. إيران، كعادتها، تعلن أنها تعافت من الأضرار التي لحقت بإحدى منشآتها، وأن قدراتها باتت “أفضل من أي وقت مضى”—وهو خطابٌ يهدف بقدر ما يطمئن الداخل، إلى نفي أثر الضربة في ميزان الردع الخارجي.
وعلى خط الضغط المقابل، تملك طهران خياراتٍ لا تقل حساسية عن الصواريخ، وأكثرها دقة وتأثيراً هو التلويح بمضيق هرمز: احتمال إغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه لا يحتاج إلى حرب شاملة كي يهزّ السوق العالمي، لأن المضيق ليس ممراً محلياً بل شريانٌ في سلاسل إمداد الطاقة. لذلك يصبح التفاوض هنا ليس على النووي وحده، بل على معنى “الاختناق” الممكن للعالم إذا انزلقت الأمور إلى نقطة اللاعودة: واشنطن تُلوّح بقوةٍ تكتمل عناصرها سريعاً، وإيران تُلوّح بأداة ضغطٍ قد تُشعل أسعار الطاقة وتربك الاقتصادات قبل أن تُربك الجبهات.
هكذا تتحول جنيف—إن انعقدت—إلى امتحانٍ لنموذج تفاوضي قاسٍ: دبلوماسية تُدار تحت ظل حاملات طائرات، وإشارات سياسية تُصاغ لتبقي الخصم متردداً بين قبول المقايضة أو انتظار الصدام. السؤال الحقيقي ليس هل يريد الطرفان اتفاقاً، بل أيّ اتفاقٍ يريدانه: اتفاق يخفف التوتر ويعيد ترتيب الخطوط الحمراء، أم اتفاق يستخدم كمرحلة انتقالية في لعبة ضغطٍ أطول؟ وبين الاحتمالين، تبقى أخطر نقطة هي سوء الحساب: أن يظن طرفٌ أن الآخر يلوّح فقط، فيما هو يقترب فعلاً من لحظة الفعل.


