قبل أن تُفتح أبواب جنيف على جولةٍ ثانية محتملة بين واشنطن وطهران، كان البيت الأبيض قد اختار أن يسبق الدبلوماسية بإشارةٍ مزدوجة: يدٌ ممدودة على مستوى الخطاب، وعضلاتٌ مشدودة على مستوى الميدان. وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يقول إن دونالد ترامب “حريص على اتفاق” ومستعد للقاء المرشد الإيراني إذا رغب الأخير بذلك. وفي اللحظة نفسها، تستمر الولايات المتحدة في تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، فيما تُعيد طهران تثبيت خطها الأحمر: التخصيب “حق أصيل” لا يُمسّ تحت أي ضغط.
هذه ليست مفارقة عابرة. إنها طريقة إدارة تفاوضٍ يريد ترامب أن يُنتج “اتفاقاً سريعاً وصحيحاً” كما يسميه، ويُلمّح إلى أنه يريد حسمه خلال أسابيع لا أشهر، لكنه لا يريد أن يدخل إلى الطاولة بلا أوراق ضغطٍ صلبة. لذلك تبدو التصريحات كتمهيدٍ سياسي لرفع سقف التفاوض، لا كإعلان ثقة. ففكرة “لقاء المرشد” تُستخدم هنا كرسالة: نحن مستعدون للذهاب إلى أبعد نقطة في البروتوكول إذا كان ذلك يُنهي الملف. لكنها أيضاً تُلقي عبء الرفض المتوقع على طهران مسبقاً، بما يسمح لواشنطن بأن تقول لاحقاً إن الباب فُتح ولم يُقابَل.
في المقابل، داخل النقاشات التي رافقت هذه الإشارات، برزت قراءة تكاد تكون إجماعية لدى أكثر من طرف: هذا اللقاء غير واقعي. ليس لأن القنوات غير موجودة، بل لأن العوائق أعمق من “صورة تاريخية” بين زعيمين. المرشد الأعلى لم يعتد هذا النوع من اللقاءات المباشرة مع رؤساء أميركيين، وترامب نفسه ليس من طراز الرؤساء الذين يذهبون إلى “التقاط صورة” بلا صفقةٍ جاهزة. من هنا، يصبح طرح اللقاء أقرب إلى حركة ضغطٍ نفسية وإعلامية تُرفع عشية التفاوض، لا إلى مبادرة قابلة للتحقق. وفي طهران تحديداً، تُقرأ الفكرة بنبرةٍ أكثر حدّة: كيف يُطلب لقاء من رأس دولةٍ يعتبر الإيرانيون أن ترامب كان طرفاً في سلسلة قرارات عدائية بحقهم، من الاغتيالات إلى دعم الحروب وصولاً إلى القصف، ثم يُتوقع أن تُعامل هذه الدعوة كإشارة حسن نية؟
لكن جوهر المعركة لا يدور حول شكل اللقاء، بل حول مضمون “الاتفاق الصحيح”. ترامب يكرّر أن الطريق الوحيد لتفادي ضربة على إيران هو اتفاقٌ “صحيح”، وأنه يريد تسوية “مرة واحدة وإلى الأبد”. وهذه اللغة تعني شيئاً واضحاً في قاموس فريقه: اتفاقٌ لا يترك هامشاً لتأويل “التخصيب” داخل إيران. في النقاشات الأميركية التي تسرّبت إلى الإعلام، يُقدَّم “صفر تخصيب” بوصفه معيار الاتفاق الصحيح، ومن دونه يصبح أي تفاهم نسخةً من اتفاق كان ممكناً الوصول إليه في محطات سابقة، ما يضع ترامب أمام تهمة التراجع. ولهذا تحديداً يتمسّك السقف، لأن السقف هنا ليس تقنياً فقط، بل سياسي داخلي أيضاً: رفع العقوبات مقابل قبول استمرار التخصيب سيُصوَّر كتنازل أميركي.
وهنا يقع الاصطدام: إيران تضع “حق التخصيب” في صلب السيادة، وترفض إدخاله كعنصر قابل للمقايضة، وتضيف إليه رفضاً قاطعاً لتقييد برنامجها الصاروخي. بل إن طهران تتعامل مع الصواريخ باعتبارها عنوان الردع الأول في مواجهة واشنطن وتل أبيب، لا تفصيلاً قابلاً للقصّ واللصق في اتفاق نووي. لذلك، حين يسأل الأميركيون عن “اتفاق سريع”، يجيب الإيرانيون عملياً: أي سرعة لا تمر على اعترافٍ بحقنا في التخصيب ورفعٍ فعلي للعقوبات هي استعجالٌ لصدام لا لاتفاق.
بين السقفَين، تظهر “الحلول الوسط” كمساحة وحيدة للتنفس: صيغٌ تُقدَّم أميركياً على أنها تقليصٌ فعلي للتخصيب، وتُقدَّم إيرانياً على أنها تجميدٌ مؤقت أو إعادة تنظيم مرحلية. من الأفكار التي طُرحت في النقاش: تجميد التخصيب لفترة محددة (طُرحت ثلاثة أعوام كنموذج) تُستخدم كفترة اختبار لجدّية رفع العقوبات تدريجياً، إلى جانب مقاربةٍ تتعلق بتصدير أو نقل جزء من مخزون اليورانيوم المخصّب إلى دولة أخرى. هذه الصيغ لا تمنح ترامب “صفر تخصيب” بالمعنى الحرفي، لكنها قد تمنحه “صفر خطر” بالمعنى العملي إذا كانت القيود صارمة والرقابة واضحة، وتمنح إيران في المقابل فرصة التقاط أنفاس اقتصادية وإثبات أنها لم تتنازل عن المبدأ بل غيّرت الإيقاع.
إلا أن العقدة التي تعود كل مرة إلى السطح ليست في الهندسة النووية وحدها، بل في الثقة والضمانات. في طهران، النقاش لم يعد: ما الذي سنقدمه في الملف النووي؟ بل: ما الذي يضمن أن الطرف الآخر سيبقى ملتزماً؟ كيف يُبنى اتفاقٌ مع إدارةٍ قد تغيّر موقفها، أو مع رئيسٍ مشهور بإعادة فتح الملفات وإعادة تعريف “الصحيح” بعد توقيع الحبر؟ لذلك تتداخل الضمانات مع التجربة السابقة ومع الوقائع الأمنية الأخيرة: قصف منشآت، توترات إقليمية، وحروب قصيرة تندلع رغم وجود مسارات تفاوض. في هذا المناخ، يصبح أي تنازل إيراني بلا ضمانات ملموسة مغامرة، لا تسوية.
أما في واشنطن، ففكرة “الضمانة” تُترجم غالباً على شكل حزمة عقوبات: رفعٌ واسع يفتح باب النفط والتعاملات المالية، ويعيد وصل إيران بمنظومة المصارف والتحويلات العالمية، على غرار ما حصل بعد اتفاق 2015 حين توسعت نافذة بيع النفط وتدفقت المدفوعات وعادت قنوات مالية للتنفس. لكن تقديم ضماناتٍ “سيادية” أو عسكرية—كفكرة تزويد إيران بمنظومات دفاع جوي أو أسلحة أميركية—لا تبدو واردة، لا سياسياً ولا تاريخياً، خصوصاً مع ذاكرة واشنطن الثقيلة تجاه أي تجربة تسليح لإيران.
وسط هذه التعقيدات، يلعب العامل الإسرائيلي دور “المُثقل” فوق الطاولة. نتنياهو—الذي عاد حضوره إلى الواجهة بعد زيارته لواشنطن—يدفع باتجاه أن يشمل أي اتفاق الملف الصاروخي، ويُلوّح بأن إسرائيل ستتصرف منفردة إذا رأت تهديداً. هذا يعني أن ترامب، حتى لو أراد حصر التفاوض بالنووي لتحقيق إنجاز سريع، سيجد نفسه أمام ضغطٍ من حليفٍ يريد اتفاقاً أوسع أو لا يريد اتفاقاً يترك لإيران قدرة ردع. ومن هنا يتضاعف معنى “الحشد العسكري” الأميركي: ليس موجهاً لإيران فقط، بل أيضاً لإدارة إيقاع الحلفاء ومنعهم من تفجير مسارٍ يحاول ترامب أن يُبقيه قابلاً للحياة.
أما جنيف نفسها، فحتى اختيارها لا يعني انتقال الوساطة من مسقط. الرواية المتداولة تتحدث عن دورٍ أساسي لعُمان في إدارة القناة، وأن ممثلين عنها سيتولون الوساطة، وأن هناك وثيقة رسائل أُعدت بعد اتصالات أميركية وتم تسليمها لمسؤول إيراني رفيع. وهذا يعكس حقيقة ثابتة: عُمان هي “خيط الثقة” الوحيد الذي لم ينقطع كلياً، أما جنيف فمسرحٌ مناسب لحسابات السياسة والإعلام والشرعية الدبلوماسية، لا بديلاً عن القناة.
لهذا، تبدو توقعات الجولة المقبلة أقرب إلى “إدارة التوتر” منها إلى “حسم الاتفاق”. المرجّح أن يخرج الطرفان بتوصيفٍ دبلوماسي مألوف: الجولة كانت بنّاءة، النقاش مستمر، هناك تقدم في بعض النقاط، وسيُستكمل تبادل المقترحات. اختراقٌ كبير خلال جدول ترامب الزمني يبدو صعباً ما دام تعريف “الصحيح” أميركياً يبدأ من صفر تخصيب، وتعريف “الكرامة” إيرانياً يبدأ من حق التخصيب. لكن استمرار المسار بحد ذاته يمنع الانزلاق السريع، ويُبقي الحاملات في موقع ورقة ضغط لا زرّ حرب… إلى أن تتغير المعادلة أو ينهار الخيط الرفيع.


