من تحت الأرض—حيث تُخزَّن المنصّات وتُدار ممرات الإطلاق—تقدّم طهران برنامجها الصاروخي بوصفه “مظلّة ردع” تمنع الاعتداء وتُعيد ضبط الحسابات قبل أي مغامرة عسكرية. لكن واشنطن وحلفاءها يقرأون المشهد من الزاوية المعاكسة تماماً: ترسانةٌ باليستية تتسع بالعدد والتنوّع، وتقترب في مداها من عتبة الألفَي كيلومتر، بما يجعلها أحد أخطر مفاتيح الصراع في الإقليم، لا مجرد ورقة قوة عسكرية.


السؤال ليس عن وجود الصواريخ فحسب، بل عن حجمها وتدرّجها. فوفق توصيفات أميركية رسمية، تمتلك إيران أكبر مخزون من الصواريخ البالستية في الشرق الأوسط، مع نماذج يتجاوز مداها الألفَي كيلومتر. وهذا التراكم لا يظهر كمنظومة واحدة، بل كسُلّم قدرات يبدأ من المدى القصير ويصعد إلى المدى المتوسط، مع تحسينات في الجاهزية والدقة والسرعة، تجعل “المدى” وحده جزءاً من القصة، لا كلّها.


في طبقة الصواريخ قصيرة المدى، تُذكر سلسلة “شهاب 1 و2” بوصفها تطويرات عسكرية على نماذج مستوحاة من صواريخ سكود، بمدايات تُقدَّر بين 300 و500 كيلومتر. إلى جانبها، تبرز عائلة “فاتح” القصيرة المدى، ولا سيّما “فاتح 110” و”ذو الفقار”، التي تُقدَّم بوصفها صواريخ أكثر دقة في الإصابة، بما يوسّع وظيفتها من الردع العام إلى استهدافٍ محسوب ضمن نطاقات قريبة.


أما في الطبقة المتوسطة—حيث تبدأ خرائط القلق بالاتساع—فتظهر نماذج طوّرتها إيران باعتبارها ركيزة في معادلة الردع. من بينها “سجيل” العامل بالوقود الصلب والقادر على ضرب أهداف حتى حدود ألفَي كيلومتر. ثم يأتي “سجيل 2” كنسخة محسّنة بزمن إطلاق أقل، وسرعة تشغيل أعلى، ودقة أكبر تُقدَّم على أنها تصل إلى أقل من خمسين متراً. وفي السياق نفسه يُذكر “عماد” بمدى يقترب من ألفَي كيلومتر، مع خصائص تُقدَّم على أنها تجعل اعتراضه أكثر صعوبة، بفعل الارتفاع الكبير خارج الغلاف الجوي والسرعة التي تتجاوز 12 ماخ، ثم التعقيد الإضافي عند العودة إلى الغلاف بما يربك مهمة أنظمة الدفاع الجوي.


ويُقدَّم “خرمشهر 4” بوصفه أحد أكثر الصواريخ البالستية تطوراً ضمن هذه المنظومة: مدى يقارب ألفَي كيلومتر، ورأس حربي يزن نحو 1500 كيلوغرام، وسرعات عالية تُقال إنها تبلغ 16 ضعف سرعة الصوت خارج الغلاف الجوي و8 أضعاف داخل الغلاف. في هذه النقطة بالذات تشتد حساسية الملف: لأن الرسالة هنا لا تتعلق بالمدى فقط، بل بمشهد “الصعوبة” التي يواجهها الاعتراض، أي بإضعاف فعالية الدرع الدفاعي أمام قرار الإطلاق.


ولا يكتمل أثر الترسانة من دون “هندسة الحماية”. فهذه الصواريخ، وفق ما يروّج له الخطاب الإيراني، لا تنطلق من موقعٍ واحد ولا من منصة مكشوفة، بل من شبكة مواقع حول طهران وفي محيطها، ومن حصونٍ تحت الأرض موزعة على أقاليم مختلفة: غرباً قرب كرمنشاه، وشرقاً عند سمنان، وجنوباً باتجاه الخليج، مع حديث عن ما لا يقل عن خمسة مواقع محصنة. هذا البعد التحصيني يُحوّل البرنامج من “قدرة إطلاق” إلى “قدرة بقاء”—أي أن الردع لا يعتمد على الضربة الأولى فقط، بل على ضمان استمرار القدرة بعد أي ضربة محتملة.


هنا بالتحديد تتوضح أسباب الرفض الأميركي. فواشنطن ترى أن الترسانة—خصوصاً بعيدة ومتوسطة المدى—تمثل تهديداً مباشراً لحلفائها وعلى رأسهم إسرائيل، وأن مدى يقترب من ألفَي كيلومتر يضع ضمن الدائرة قواعد أميركية، ومنشآت طاقة، وبنى تحتية استراتيجية في الإقليم. ولا يقف القلق عند حدود اليوم: هناك خشية أميركية مضافة من أن استمرار التطور التقني قد يفتح الباب أمام صواريخ أطول مدى، وقابلة—من حيث المبدأ الهندسي—لحمل رؤوس نووية إذا قررت طهران تغيير مسارها في المستقبل. مجرد وجود هذا الاحتمال كفكرة استخبارية يكفي، في الحسابات الغربية، لاعتبار الملف الصاروخي توأماً للنووي لا يمكن فصله عنه بسهولة.


في المقابل، تُعيد إيران تثبيت روايتها باستمرار: لا سعي إلى سلاح نووي، ولا نية لبناء صواريخ عابرة للقارات أو تجهيزها لحمل رؤوس غير تقليدية. البرنامج—كما تقول—موجّه للدفاع والردع، أي لمنع الحرب لا لفتحها. وهي بذلك تحاول نقل النقاش من سؤال “لماذا تمتلك هذه القدرة؟” إلى سؤال “لماذا يُطلب منها التخلي عن أداة تعتبرها الضمانة الأخيرة لسلامتها؟”.


وهكذا يصبح البرنامج الصاروخي أكثر من ملفٍ عسكري: إنه تعريفٌ عملي لمعنى الردع في الشرق الأوسط، وصيغة صلبة لتوازن الرعب على مسافات تتجاوز الحدود المباشرة. وبين رواية “الدفاع” الإيرانية ورواية “التهديد” الأميركية، يبقى السؤال الكبير معلّقاً: هل يمكن احتواء هذا الملف ضمن تسويات سياسية، أم أنه سيظلّ عامل ضغطٍ دائم يُعيد إشعال التوتر كلما اقتربت المفاوضات من حافة الحسم؟