في العالم الذي تُدار فيه الحروب بالبيانات، لا يعود الخبر الاقتصادي خبراً اقتصادياً. يصبح بياناً سياسياً بامتياز. لذلك، حين يتسرّب أنّ «آبل» دفعت ما يقارب ملياري دولار للاستحواذ على Q.ai في صفقة توصف بأنّها “سرّية” ومن الأكبر في تاريخ الشركة، فليس السؤال: لماذا هذا الرقم؟ بل: ما الذي تشتريه «آبل» فعلاً… ولمصلحة من؟


بحسب ما نُشر، نحن أمام شركة لا تملك منتجاً ولا تحقق إيرادات، وموقعها الإلكتروني صفحة واحدة لا تزيد عن 15 كلمة. هذا وحده كافٍ ليجعل أي عقل طبيعي يشكّ: ما الذي يمكن أن يساوي ملياري دولار إذا لم يكن “الشيء” المعروض للبيع هو القدرة نفسها… القدرة على التغلغل، والرصد، والتحكّم؟ وعندما تُستكمل الصورة بأسماء المؤسسين وخلفياتهم ـ أڤياد مايزلز، أڤي بارليا، ويوناتان ويكسلر ـ وبكونهم عملوا في الاستخبارات الإسرائيلية بما فيها “الوحدة 8200”، يصبح المشهد أقلّ غموضاً وأكثر فجاجة. هنا لا تُشترى شركة ناشئة. يُشترى تاريخ وظيفي كامل، وخبرة متخصصة، وبنية تفكير أُنتجت في قلب ماكينة التجسّس.


الأخطر أنّ الرواية المتداولة تربط جزءاً من موظفي الشركة بدورٍ ما في حرب غزّة، وأن نسبة منهم شاركت في “الإبادة”. قد يختلف الناس حول توصيفات، وقد يتقاذف البعض الدقة بالذرائع، لكن الجوهر واحد: ثمة علاقة عضوية بين صناعة التكنولوجيا التي تُسوَّق لنا بوصفها “ابتكاراً”، وبين مصانع السيطرة التي تُمارس القتل حيناً وتُمارس الإخضاع دائماً. وما يفضح المعايير المزدوجة أن كثيراً من الإعلام الذي تلقّف “الصفقة” كحدث مالي لامع، تعمّد محو هذه الخلفية من النص، وكأنّها تفصيل هامشي لا يليق بصورة شركة ترتدي قناع “حماية الخصوصية” في إعلاناتها.


لكن ما هي Q.ai؟ بحسب الوصف المتداول، هي تقنية “التنبّؤ بالكلام”: أجهزة استشعار ترسم خرائط لحركات الوجه الدقيقة لتحديد الكلمات التي يفكّر بها الشخص قبل أن ينطقها. نحن إذن لا نتحدث عن تحسين لوحة مفاتيح أو تسريع مساعد صوتي، بل عن خطوة إضافية في تحويل الإنسان نفسه إلى واجهة بيانات: تعبير الوجه، رجفة الشفاه، التوتر العصبي حول العين… كلها تصبح مادة خام لتوقّع ما ستقوله قبل أن تقوله. أي إنّ “حرّيتك” لا تُقاس بما تنشره أو تقوله، بل بما يُفترض أنك كنت ستقوله. وهذا وحده يفتح باباً مخيفاً: من يملك قدرة التنبؤ، يقترب من قدرة المنع. ومن يقترب من المنع، يصير شريكاً في صناعة الصمت.


وهنا تصبح غزّة ليست “حدثاً بعيداً” بل مرآة: لأن السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح على كل هذه الصناعة هو: هل كانت ساحات الدم مجرد خلفية أخلاقية محرجة؟ أم أنّها كانت أيضاً مختبراً تكنولوجياً ومخزناً للخبرات وحقلاً لاختبار أدوات التحكم؟ وحين تضع «آبل» ملياري دولار على الطاولة، فهي لا تشتري مستقبلاً وردياً للمستخدم، بل تشتري امتيازاً استراتيجياً في سوق السيطرة القادمة: السوق التي لا تكتفي بتتبّع ما تقرأه وما تشاهده، بل تلاحق ما تفكّر به قبل أن يتحوّل إلى كلام.


الطريف ـ أو المقرف أكثر ـ أنّ «آبل» بنت جزءاً ضخماً من أسطورتها التسويقية على كلمة واحدة: الخصوصية. ثم تأتي مثل هذه الصفقة لتقول لنا بلا خجل: الخصوصية ليست مبدأ… بل سلعة تُستعمل حين تخدم العلامة التجارية، وتُرمى حين تتعارض مع “الصفقات الكبرى”. ومن لا يرى في ذلك تناقضاً فاضحاً، فليتذكر أن كل أداة تُبنى لتقرأ ما قبل الكلام، يمكن أن تتحول بسهولة إلى أداة لتجريم الكلام نفسه، خصوصاً حين يكون الكلام نقداً للاحتلال أو فضحاً لجرائمه أو رفضاً لسرديته. عندها تصبح التكنولوجيا “حيادية” في القاموس، و”انتقائية” في الواقع: ترصد من تشاء وتغضّ النظر عمّن تشاء.


ليست المشكلة في شركة واحدة ولا في صفقة واحدة. المشكلة في زمنٍ يتقدّم فيه رأس المال على الأخلاق، وتصبح فيه “الابتكارات” نسخة حديثة من أجهزة الأمن: أنيقة، لامعة، تُباع للمستهلك كتسهيل للحياة، بينما هي في الحقيقة تمديدٌ لليد التي تريد أن تُمسك برقبتك من الداخل. صفقة Q.ai ـ كما تُروى ـ ليست حدثاً عابراً، بل إنذار: حين تُشترى القدرة على التنبؤ بالكلام، فإن الخطوة التالية قد تكون إعادة تشكيل الكلام… ثم إعادة تشكيل الحق في الكلام.


والسؤال الذي يبقى: كم يلزم من مليارات إضافية كي نقتنع أن التكنولوجيا التي تُصنع على مقاس منظومات القمع لن تتوقف عند حدود “الخدمات الذكية”، بل ستذهب إلى حيث وظيفتها الطبيعية: تقييد الإنسان، لا تحريره؟