لا يبدو ما جرى في ملف المحروقات قراراً منفصلاً بقدر ما هو حلقة إضافية في نمطٍ بات مألوفاً: كلما احتاجت الدولة إلى إيراداتٍ سريعة، تذهب مباشرة إلى السلعة التي تلمس كل بيت وكل مهنة وكل فاتورة نقل. والنتيجة لا تُقاس بسعر الصفيحة وحده، بل بما يتدحرج بعدها من تضخمٍ يتسلّل إلى الخبز والخضار والدواء وكلفة الخدمات.


الأخطر أنّ الارتفاع الأخير يُقرأ كـ“مرحلة أولى” لا كنهاية. فبحسب ما يطرحه قطاع محطات الوقود، ما زالت هناك زيادة أخرى مطروحة على البنزين والمازوت مرتبطة بما يسمّيه أصحاب المحطات بدل التشغيل (الجعالة)، وهي مسألة تنتظر توقيع وزارة الطاقة. أي أن السوق أمام احتمال موجة جديدة من الغلاء، حتى بعد القرار الذي صدر لتغذية الخزينة وتمويل زيادات رواتب موظفي ومتقاعدي القطاع العام.


أما القرار الحكومي الأخير، فقد رفع سعر صفيحة البنزين بما يقارب ثلاثمئة ألف ليرة، بعد أيام قليلة على تعديل سعر أسطوانة الغاز بنحو مئة ألف ليرة ضمن المسار نفسه. وبين الزيادتين تتكون صورة واضحة: التمويل يُستخرج من جيوب الناس عبر “رسوم غير مباشرة” لا تحتاج إلى نقاشات طويلة ولا إلى إصلاحات شاقة، لكنها تدفع المجتمع كله الثمن فوراً.


في هذا السياق، خرجت نقابة أصحاب محطات المحروقات لتقول إنها لم تكن شريكاً في القرار ولا طرفاً مستفيداً منه. وأكدت، بمعنى مباشر، أن المبلغ المضاف ليس ربحاً للمحطات ولا بنداً يرفع هامشها، بل يدخل بالكامل ضمن الرسوم التي تؤول إلى خزينة الدولة. كما لفتت إلى أن الإجراء اتُّخذ من دون أي تنسيق مسبق مع القطاع، ما يترك المحطات أمام أعباء تشغيلية أثقل وإدارة يومية أكثر تعقيداً، فيما تتحول المحروقات تلقائياً إلى محركٍ لرفع أسعار معظم السلع والخدمات.


لكن جوهر الاعتراض لا يتصل بالمحطات وحدها. فالزيادة على الوقود تعني عملياً ضريبة تطاول الجميع بلا استثناء، وتضرب القدرة الشرائية من أكثر نقاطها حساسية: النقل. أي أن التأثير لا يتوقف عند من يملأ خزان سيارته، بل يمتد إلى كلفة التوزيع والتوصيل والتشغيل، ثم يعود على شكل أسعار جديدة في الأسواق. لذلك حاولت النقابة تثبيت موقفٍ أقرب إلى الرأي العام: رفض تحويل المحروقات إلى “زرّ طوارئ” مالي تُضغط عليه الدولة عند كل مأزق، لأن فاتورته الاجتماعية أعلى من أي رقمٍ يُحصّل على الورق.


نحاول  الدولة  تمويل التزاماتها—ومنها الرواتب—بآلية سريعة لكنها قاسية: نقل العبء مباشرة إلى الناس عبر الطاقة والنقل. وبين قرارٍ يرفع السعر اليوم، ومطالبٍ أخرى تنتظر الموافقات لتزيده غداً، يصبح السؤال الحقيقي ليس “كم ارتفع البنزين؟” بل: كم مرة بعد سيُستخدم البنزين كحلّ جاهز، قبل أن تُجبر الدولة نفسها على البحث عن إيرادات عادلة وإصلاحات تُخفف الغلاء بدل أن تصنعه؟