في الخليج، لا تُخاض الخصومات فقط بالخرائط والصفقات والقواعد العسكرية، بل بالكلمات التي تُصيب ما هو أعمق من المصالح: صورة الدولة عن نفسها، والأسطورة التي تُسوّغ بها حكمها، واللغة التي تُقنع بها الداخل قبل الخارج. من هنا تبدو الضجة التي أثارها هجوم عبد الخالق عبد الله على “الوهابية” أكثر من سجالٍ على منصة «إكس». هي إشارة إلى انتقال الاشتباك الإماراتي–السعودي من منافسة نفوذٍ “قابلة للترميم” إلى صراعٍ يقترب من كسر العظم، لأن الهدف هذه المرة ليس موقعاً في اليمن أو حصةً في ميناء، بل قلب الشرعية الرمزية التي عاشت عليها المملكة لعقود.


الإمارات معروفة بخصومتها الشرسة لـ«الإخوان المسلمين» وبأنها جعلت من محاربة الجماعة عقيدة أمن قومي لا ملفاً سياسياً. الجديد أنها قررت فجأة استعمال سلاحٍ مختلف: فتح ملف الوهابية بوصفه خطراً متجدداً، وربطه ــ بالمعنى السياسي لا الفقهي ــ بإمكانية عودة الإرهاب و”التيارات الظلامية” إلى الواجهة. هذا النوع من الكلام لا يُقال عبثاً حين يُقال من شخصية لصيقة بدوائر القرار. إنه يقرأ المملكة من نقطة ألمها: مرحلة انتقالية يحاول فيها محمد بن سلمان إعادة تقديم السعودية كدولة “ما بعد الهوية الدينية الثقيلة”، من دون أن يملك ترف قطع الجسور دفعة واحدة مع تركةٍ صنعت جزءاً من بنية المجتمع، وجزءاً من سردية الحكم.


الهجوم الإماراتي هنا يشبه ضربةً مقصودة على بابٍ تحاول الرياض إغلاقه بهدوء. فالمملكة تريد أن تُخفي “الأصل” خلف “المظهر” الجديد: انفتاحٌ اجتماعي، ترفيه، مشاريع عملاقة، ولغة تسويقية تقول للغرب إن السعودية تغيّرت. وأبو ظبي تقول لها بالمباشر: يمكننا إعادة فتح الدفتر الذي تحاولون طيّه، وإجباركم على الدفاع عنه أمام الداخل والخارج في آنٍ واحد. أي أن المعركة ليست على من يربح جولة، بل على من يفرض على الآخر أجندة النقاش.


وفي العمق، الرسالة مركّبة. فمن جهة، هناك تلميحٌ إماراتي إلى أن الرياض تُغازل ــ أو قد تجد نفسها ضمن توازنات ــ تقاطعات جديدة مع قوى إسلامية كانت في خانة العدو، في لحظة تتشكل فيها اصطفافات إقليمية تتبدّل بسرعة: تركيا، قطر، باكستان… أسماء تُستعمل لتصوير محورٍ محتمل في مواجهة محورٍ آخر تتقدم فيه أبو ظبي بوصفها رأس حربةٍ مقرّباً من إسرائيل والغرب. ومن جهة ثانية، هناك ضغطٌ على مشروع “السعودية الجديدة” نفسه: إذا كنتم تريدون نزع العباءة القديمة، فسنُمسك بالعباءة ونلوّح بها في وجهكم، لأن نجاح تحوّلكم يعني تلقائياً تضييق المساحة التي تمددت فيها الإمارات حين كانت المملكة عالقة بين حاجتين: المحافظة على شرعية دينية متوارثة، والحفاظ على تحالفٍ غربي يطلب منها دوماً تنازلاتٍ في الشكل والسلوك.


لكن لماذا يرتفع السقف الآن تحديداً؟ لأن اليمن لم يخرج من الحسابات الإماراتية. الهزيمة أو التراجع في ساحة لا يُقرأ في أبو ظبي كإقفال للملف، بل كدافعٍ للردّ والتعويض حيث يمكن. وحين تضيق أدوات الميدان، تُفتح أدوات الخطاب: التشويه، الإحراج، ضرب السمعة، وإعادة تركيب صورة الخصم بطريقة ترفع كلفة خطواته المقبلة. في هذا المنطق، تصبح “الوهابية” قذيفة سياسية لا بحثاً فكرياً، ويصبح الحديث عن “التشدد” وسيلة لتقويض ما تبنيه الرياض من رواية جديدة حول الاعتدال والتحوّل.


ردود الفعل السعودية على المنصات ــ حتى حين جاءت عبر أصوات غير رسمية ــ لا تُفهم بوصفها مجرد انفعال وطني. إنها تعكس حساسية طازجة في لحظة حساسة: المملكة تريد أن تتبرأ من توصيف “الوهابية” لأنها تعلم أنه عنوانٌ يُستعمل في الخارج لتفسير تاريخٍ كامل من التطرف، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التعامل مع هذا العنوان كحطامٍ بلا أثر، لأن المجتمع الذي أُنتج تحت سقف طويل من الانضباط الديني لا يبتلع انقلاباً سريعاً بلا ارتدادات. هنا تكمن المفارقة التي تُربك الرياض: القيد السياسي ما زال ثقيلاً، بينما القيد الاجتماعي تراجع بسرعة. هذا المزج يصنع احتقاناً من نوع مختلف: تطرفاً مكبوتاً ضد “التفلّت” بدل التطرف ضد “القيود”. أي أن التحول الاجتماعي نفسه يمكن أن يستولد ردّ فعل حاداً يبحث عن خطابٍ متشدد ليقاوم موجة الانفتاح.


وفي هذا الجو، تأتي أبو ظبي لتضغط على الجرح: تذكيرٌ بأن “هوية المملكة” ليست مجرد لافتة يمكن تبديلها بقرار، وأن الانتقال السريع قد يترك خلفه مخزوناً من الغضب، أو التديّن الانتقامي، أو الرغبة في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. هذا النوع من الإيحاءات لا يهدف إلى تحليل السعودية بقدر ما يهدف إلى محاصرتها: دفعها إلى الدفاع، إلى التبرير، إلى الانشغال بذاتها، بدل الانشغال باستعادة الأدوار الإقليمية التي تريدها.


ثم تظهر الإشارات الجانبية التي تزيد المشهد التباساً: تأجيل زيارة إردوغان إلى أبو ظبي في ذروة السجال، والارتباك في الرواية حول أسباب التأجيل، وحذف بيانٍ ثم الصمت… تفاصيل تبدو بروتوكولية، لكنها في لحظات التوتر تتحول إلى مؤشرات على حساسية اللحظة وعلى أن خطوط التماس بين العواصم ليست ثابتة كما كانت.


النتيجة أن الاشتباك لم يعد خلافاً على سياسة، بل معركة على تعريف “من هو المركز” في المنطقة. السعودية تريد العودة لتكون الثقل الأول، لكنها ما زالت تعاني تعثرات في بناء أدوات هذا الدور: اقتصادياً، مالياً، اجتماعياً، وسياسياً. والإمارات تريد تثبيت ما راكمته في سنوات التمدد، وتعرف أن أفضل طريقة لمنع الرياض من استعادة المسرح ليست مواجهتها في ملف واحد، بل ضربها حيث تحاول أن تبدو “نسخة جديدة” من نفسها. لذلك جاءت الضربة من بوابة الوهابية: ليست لأنها أهم ما في الدين، بل لأنها الأكثر قابلية للتحول إلى سلاحٍ يجرّ المملكة إلى زاوية محرجة.


وهنا بالضبط معنى المرحلة: حين يبدأ الحلفاء السابقون باستعمال “هوية” بعضهم كأداة ضغط، فهذا إعلان بأن السقف القديم الذي كان يضبط الخلافات يتآكل. ومع تآكل السقف، يصبح احتمال كسرٍ أكبر بين أبو ظبي والرياض أقرب مما كان يُقال في العلن… لا لأن الطرفين يريدان الطلاق، بل لأنهما يقتربان من لحظة يعتبر فيها كلٌّ منهما أن التراجع أخطر من التصعيد.