لم يحتج اللبنانيون إلى وقت طويل كي يلمسوا معنى قرارين وُضِعا في سلّة واحدة: رفع الرسم على صفيحة البنزين بمقدار 300 ألف ليرة—أي ما يوازي قرابة 21% من سعر الصفيحة—وزيادة الضريبة على القيمة المضافة نقطة واحدة من 11% إلى 12%، وهي زيادة تبدو رقمياً محدودة، لكنها عملياً ترفع عبء الـTVA بنسبة تقارب 9% قياساً إلى مستواها السابق. في بلدٍ تتحكّم فيه السوق بإيقاع الدولة، تتحوّل “النقطة” إلى موجة، و”الرسم” إلى كرة ثلج تتدحرج فوق القدرة الشرائية.
الخطأ القاتل في قراءة البنزين كأنه مجرد مادة استهلاك. البنزين في الاقتصاد اللبناني ليس تفصيلاً يومياً، بل كلفة تشغيل عامة: يدخل في النقل والتوزيع، في الإنتاج والخدمات، في حركة الأفراد والبضائع، وفي التسعير النهائي لكل شيء تقريباً. لذلك، عندما تقفز صفيحة البنزين، لا تقفز وحدها؛ تُحرّك معها سلسلة أسعار تبدأ من أساسيات الغذاء ولا تنتهي عند الدواء والطبابة وأقساط المدارس والجامعات، مروراً بكل ما يُستهلَك في حياة الناس العادية.
ولمن يصرّ على ترويج مقولة إن البنزين “لا يطال الفقراء” لأنهم لا يملكون سيارات، يكفي الردّ بحقيقة واحدة: الفقير يدفع ثمن البنزين حتى لو لم يقترب من محطة محروقات. يدفعه في أجرة النقل، في ثمن الخبز، في كلفة توصيل البضائع، وفي أي فاتورة خدمة ترتبط بحركة السوق. والقاعدة التي يعرفها تجّار البلد قبل خبرائه تقول إن كل زيادة ملموسة في أسعار المحروقات تنعكس سريعاً على الغذاء وسائر السلع بنِسَب تترواح عادة بين 2 و3% لكل ارتفاع يقارب 10% في المحروقات. ومع ارتفاع يلامس 21%، يصبح من الطبيعي توقّع قفزة إضافية حول 5 إلى 6% على الأقل في أسعار الاستهلاك، حتى لو افترضنا—على سبيل السذاجة—أن السوق ستكتفي بهوامش عادلة ولن تستغل اللحظة.
لكن السوق لم تنتظر، ولم تعتذر. أول المؤشرات جاءت فورية: تعرفة النقل لدى شركات “التاكسي” ارتفعت خلال أقل من يوم، وقبل أن يدخل القرار عملياً حيّز التنفيذ. وعندما يحصل ذلك بهذه السرعة، فهذا يعني أن بقية القطاعات ستلحق تباعاً، كلٌّ على طريقته: “تصحيح تسعيرة”، “ارتفاع كلفة”، “زيادة تشغيل”… والنتيجة واحدة: المواطن يدفع.
وما يزيد المشهد قسوة أن زيادة البنزين المطروحة ليست نهاية السلسلة. فالرسم المضاف على الصفيحة هو، في جوهره، إيراد للخزينة على شكل رسم جمركي، لا حصة لمحطات المحروقات. وبالتوازي، تتردّد إشارات إلى أن أصحاب المحطات ينتظرون بدورهم “تصحيح الجعالة” بعد وعود بزيادة عمولتهم. أي أن القرار الحالي قد يكون مجرد محطة أولى، وأن السعر قد يتعرّض لجولة رفع جديدة بحجة “إنصاف القطاع”، فيما الخزينة تتقوّى على حساب السوق، والسوق تتقوّى على حساب المستهلك.
أما الـTVA، فالقصة تكشف عطب الدولة أكثر مما تكشف عطب الاقتصاد. من الناحية الأصولية، هذه الزيادة لا يُفترض أن تُطبّق في الأسواق قبل المرور التشريعي الكامل. لكن في لبنان، التشريع يأتي متأخراً دائماً عن شهية التسعير. التجار بدأوا التعامل مع الضريبة كأنها نافذة فوراً، وربما قبل أن يبرد حبر القرار. ومن سيُلزمهم بالتريّث؟ ومن سيحاسبهم إن بدأوا التحصيل قبل الإقرار النهائي؟ عملياً، لا أحد. الدولة تُصدِر قراراً… والسوق يترجمه فوراً إلى أسعار… والناس تُجبَر على الدفع قبل أن تُحسم الشرعية.
والحجة المعتادة بأن الـTVA “لا تستهدف الفقراء” تسقط أمام طبيعتها: إنها ضريبة غير مباشرة تُفرَض على استهلاك السلع والخدمات. وهذا يعني ببساطة أن العبء الحقيقي ينتقل إلى المستهلك النهائي، لا إلى الشركات أو التجار الذين يقومون بدور الجابي لصالح الخزينة. من يملك هامشاً مالياً يتحمّلها بأقل ألم؛ ومن يعيش على الحد الأدنى يختنق بها.
حتى داخل الدولة، كانت هناك مقاربات أكثر قسوة طُرحت ثم تراجعت: الحديث عن زيادة نقطتين دفعة واحدة إلى 13% كان مطروحاً، قبل أن يُواجَه بالرفض بسبب تداعياته على معيشة الناس وعلى النشاط الاقتصادي. لكن تراجع الزيادة الأكبر لا يجعل الزيادة الأصغر “مقبولة” في بلدٍ يتآكل فيه الدخل وتُقاس فيه الأيام بقدرة الناس على اجتيازها.
والأشدّ فداحة أن هذه “الجباية السريعة” لا تُقفل العجز أساساً. فوفق التقديرات المتداولة، الزيادة المقرّرة على رواتب القطاع العام (ستة رواتب إضافية) تكلّف قرابة 800 مليون دولار سنوياً، بينما الإيرادات المنتظرة من رفع رسم البنزين وزيادة الـTVA تُقدَّر بنحو 600 مليون دولار. أي أن الفارق سيُسدَّد من الموازنة، ما يعني عملياً فتح فجوة جديدة، أو التحضير لبحث لاحق عن موارد إضافية—وغالباً من المصادر الأسهل نفسها: جيب المستهلك.
وهنا تتشكّل معادلة ضغط اجتماعي خطيرة: الحكومة تضع الناس في مواجهة موظفي القطاع العام. المواطن يرى نفسه يمول الزيادة عبر ضرائب ورسوم تلتهم يومه، بينما ترتفع أصوات تهاجم رفع الرواتب وتحمّله مسؤولية الانهاك المالي. هكذا يتحوّل الخلاف من صراع حول إصلاح الدولة إلى اشتباك داخل المجتمع نفسه، فيما الإصلاح البنيوي المؤجَّل يبقى على حاله.
والسخرية أن الخطاب الرسمي لا ينقصه “عناوين” الإيرادات البديلة: المقالع والكسارات، التعديات على الأملاك البحرية والنهرية، مظاهر الهدر والتهرب… كلها تُذكَر باستمرار كملفات جاهزة لتأمين دخل عادل وغير ضاغط. لكن ما يحصل على الأرض هو العكس: تُترَك الملفات الثقيلة بلا اقتحام، وتُستسهَل الضريبة على الاستهلاك لأنها الأسرع تحصيلاً والأقل إزعاجاً لمراكز النفوذ.
ليست المشكلة في رقمٍ هنا أو نسبةٍ هناك، بل في المنطق الذي يحكم القرار: عندما تحتاج الدولة إلى المال، تذهب إلى البنزين وإلى الـTVA—إلى شريان الحركة اليومية—لا إلى مصادر الهدر والامتيازات والتهرب. لذلك تبدو القرارات الأخيرة كأنها إعلان واضح: الخزينة تُموَّل من الحلقة الأضعف، والإصلاح يُؤجَّل، والمواطن يُطلَب منه أن يتكيّف… إلى أن يتعذّر عليه ذلك.


