في بلدٍ يعيش على حافة التسعير اليومي، لا توجد “ضريبة صغيرة”. هناك ضرائب تُكتب في الجريدة الرسمية، وضرائب أكبر تُكتب في السوق: على الرفوف، في النقل، في فاتورة المولّد، وفي كلفة “الحد الأدنى” من الحياة. لهذا تبدو قرارات الضرائب على البنزين ورفع الـTVA أكثر من مجرد محاولة لتأمين إيرادات: إنها سياسة تضخّم جديدة تُمرَّر باسم الانضباط المالي، فتعمل عمليًا كأنها قرار نقدي يُرفع فيه “سعر البلد” كلّه—لا سعر سلعة واحدة.

المشكلة ليست أن الحكومة تبحث عن مدخول. كل دولة تفعل ذلك. المشكلة أن الحكومة اختارت الأداة الأكثر عدوانية اجتماعيًا والأسرع ارتدادًا اقتصاديًا: ضريبة على الاستهلاك، في اقتصاد يقوم أساسًا على الاستهلاك؛ وضريبة على المحروقات، في بلدٍ تتحكم فيه المحروقات بنَفَس السوق. كأنها تسحب “الكهرباء” من أعصاب الناس ثم تستغرب صراخهم.


البنزين ليس سلعة… إنه “محرّك الأسعار”

رفع الضريبة على البنزين لا يرفع سعر صفيحة فحسب. يرفع كلفة الحركة في دولة بلا نقل عام فعلي، ويضغط على كل سلسلة توريد، ويُصعّد فورًا أسعار الخدمات والبضائع. أي أن الضريبة هنا لا تعمل كإيراد فقط، بل كـمضخّة تضخّم: ما تدفعه اليوم على البنزين ستدفعه غدًا على النقل، وبعد غدٍ على الخضار، ثم على الدواء، ثم على التعليم الخاص، ثم على كل شيء يتحرك على عجلات—وهذا يعني “البلد كله”.

حتى من لا يملك سيارة، لا ينجو: لأنه يستهلك ضمن اقتصاد تُسعَّر فيه الكلفة الجديدة على الجميع. هذا هو جوهر “الضريبة غير المباشرة”: لا تطرق بابك لتستأذن، تدخل من شباك الأسعار.


الـTVA: ضريبة تتسلّل بلا ضجيج… وتستقر على الفقير أولًا

رفع الـTVA نقطة واحدة قد يبدو للبعض رقمًا “محترمًا” على الورق. لكن الـTVA هي الضريبة التي لا تفرّق بين من يشتري للترف ومن يشتري للضرورة—إلا بقدرٍ واحد: الفقير يستهلك معظم دخله لتأمين الضرورات، بينما الغني يملك هامش ادخار ورفاهية اختيار. لذلك، كل رفع للـTVA في ظروف مثل لبنان يعني شيئًا عمليًا: نقل العبء إلى الأسفل تحت غطاء “المساواة الحسابية”.

والأسوأ أن الـTVA تعمل كضريبة تتكرر في كل دورة بيع وشراء، فتتضخم آثارها مع الوقت. عندها لا يعود السؤال: “كم ستُدخل إلى الخزينة؟” بل “كم ستُخرج من جيب الناس؟ وكم ستُعيد إلى السوق على شكل غلاء؟”.


القرارات السريعة تُنتج أثرًا أسرع: “ضريبة توقعات”

في اقتصاد فقد الثقة، الأسعار لا ترتفع فقط بسبب الكلفة، بل بسبب التوقعات. حين يشعر التجار والموردون أن الدولة دخلت مرحلة رفع الرسوم، يُسرعون إلى “تسعير الخوف”: يرفعون احتياطيًا، يضيفون هامش أمان، ويستبقون موجة جديدة. هكذا يتحول القرار إلى كرة ثلج: جزء منه كلفة فعلية، والجزء الأكبر منه ذعر تسعيري.

وهنا تتضاعف الخسارة: الحكومة قد تحصل على إيرادٍ سريع، لكن المجتمع يدفع تضخمًا سريعًا—ثم تُضطر الحكومة نفسها لاحقًا إلى معالجة آثار التضخم… بقرارات مالية إضافية. حلقة مغلقة: جباية تُنتج غلاءً، والغلاء يقتل الزيادة، فتعود الدولة إلى الجباية.


“زيادة الرواتب” حين تُموَّل بالأسعار تصبح مسرحية

المعضلة الأخلاقية والاقتصادية في أي زيادة ممولة من ضرائب الاستهلاك بسيطة: أنت تقول للموظف “أعطيتك”، ثم تستعيد منه عبر السوق ما أعطيته—وتستعيد من غير الموظف أيضًا. تصبح “الزيادة” أشبه بمكافأة قصيرة العمر تذوب فورًا في الأسعار، فيما تبقى الضريبة كأثر دائم.

الأخطر أن هذه الطريقة تُنتج إحساسًا عامًا بالخديعة: الدولة تُعلن أنها تُخفف، ثم تظهر في اليوم التالي كمن يُثقل. وحين تتآكل الثقة، لا تعود المشكلة في البنود، بل في الشرعية: لماذا ندفع، إذا كان الدفع لا يغيّر شيئًا؟


لماذا تختار الدولة ضرائب الاستهلاك دائمًا؟

لأنها الأسهل في التحصيل، خصوصًا في اقتصاد نقدي واسع، وفي دولة تعاني ضعفًا مزمنًا في الجباية العادلة. ضريبة البنزين تُجبى عند نقطة واضحة، والـTVA تُجبى على الفواتير، ورسوم المرافئ تُجبى عند المعابر. هذه ضرائب “سريعة” لأنها لا تتطلب مواجهة المصالح الكبرى ولا بناء إدارة ضريبية حديثة ولا تفكيك شبكات التهرب.

لكن سهولة التحصيل لا تعني حكمة الخيار. فالضرائب السهلة تُنتج نتائج صعبة: توسّع الاقتصاد غير الرسمي، تحفيز التهرب، ضرب الاستهلاك الحقيقي، وخلق موجة اعتراضات ترفع كلفة الحكم نفسها. ما تربحه في شهر قد تخسره في سنة، لأن الاقتصاد المنكمش لا يُنتج إيرادات مستدامة.


البدائل موجودة… لكنها تتطلب قرارًا لا “نقطة إضافية”

إذا كان المطلوب حقًا تمويلًا مستدامًا وعدالة اجتماعية، فالمداخل معروفة، لكنها مؤجلة دائمًا لأنها تتطلب صدامًا مع “المحميّات” لا مع المستهلك:

  • توسيع ضرائب الدخل التصاعدية فعليًا وتطبيقها بصرامة، لا كعنوان.
  • تشديد مكافحة التهرب الجمركي والضريبي عبر فواتير إلكترونية وربطٍ فعلي للبيانات.
  • ضرائب على الريوع الكبرى والأنشطة الاحتكارية والقطاعات ذات الهوامش العالية.
  • إعادة النظر بضرائب على الثروة/الإرث/العقارات الفاخرة حيث تكون القدرة على الدفع أعلى.
  • رسوم موجّهة على الكماليات بدل ضرب الضروريات، وتحصيل فعلي من كبار المستفيدين من الاقتصاد.
  • وقبل كل شيء: أي قرار ضريبي يجب أن يرافقه تقييم أثر اجتماعي وخطة حماية للفئات الأضعف، لا أن يُتركوا “يبتلعون” الصدمة.


المسألة ليست تقنية. هي اختيار سياسي: هل تُبنى الدولة على عقدٍ اجتماعي عادل، أم على جباية سهلة تُدار كمن يسدّ ثقبًا بفتح ثقوب جديدة؟ حين تُرفع الضرائب على البنزين والـTVA في لحظة واحدة، فأنت لا تموّل الخزينة فقط؛ أنت تُطلق موجة أسعار وتفتح باب غضب وتضعف ثقة—أي أنك ترفع كلفة الحكم نفسه.

في لبنان، لا يمكن شراء الوقت من جيب الناس إلى ما لا نهاية. كل “نقطة” في الـTVA قد تتحول إلى نقطة على الشارع. وكل صفيحة بنزين قد تتحول إلى صفيحة غضب. الدولة التي تُحسن الحساب وتفشل في العدالة، لا تُصلح… بل تؤجل الانفجار وتضاعف فاتورته.