لم تحتج الحكومة إلى خطةٍ إصلاحية ولا إلى معركةٍ مع التهرب والريوع كي تؤمّن تمويل “تصحيح” الرواتب. احتاجت فقط إلى قرارٍ واحد: رسم إضافي قدره 320 ألف ليرة على كل صفيحة بنزين. قرارٌ يختصر فلسفة كاملة في إدارة الدولة: حين تضيق الخزينة، تُفتح بوابة الاستهلاك؛ وحين تُطلب زيادات، تُدفع الفاتورة على شكل ضرائب “سريعة التحصيل” لا “عادلة التوزيع”.
الحساب الذي تلوّح به السلطة يبدو مغريًا على الورق. فـ320 ألف ليرة للصفيحة تعادل تقريبًا 3.5 دولارات لكل 20 ليترًا، أي ما يوازي 179 دولارًا لكل ألف ليتر. وإذا نُقل الرقم إلى وزن الاستيراد، تصبح الكلفة حوالى 242 دولارًا على طن البنزين. عند هذه النقطة يدخل عنصر “الحجم”: وفق أرقام الاستيراد لعام 2025، بلغ ما استورده لبنان نحو 2.2 مليون طن بنزين، ما يرفع الإيرادات المتوقعة من هذا البند وحده إلى قرابة 534 مليون دولار سنويًا—على أساس مستويات الاستهلاك السابقة.
لكن هل يتراجع الاستهلاك مع ارتفاع السعر؟ نظريًا نعم. عمليًا، في بلدٍ بلا نقل عام فعلي وبحركة اقتصاد تُدار بالسيارة والشاحنات، فإن تراجع الاستهلاك يبقى محدودًا: العامل لا يستطيع إلغاء ذهابه إلى عمله، والموزّع لا يستطيع وقف نقل السلع. ما يتراجع غالبًا ليس الحركة، بل قدرة الناس على الاحتمال، وما يرتفع تلقائيًا هو السعر الذي تُحمَّل عليه بقية السلع والخدمات.
لكن الرقم الأكثر دلالة ليس 534 مليونًا بحد ذاتها، بل وظيفتها السياسية: هذه الإيرادات تُقدَّر بأنها تغطي نحو 86% من كلفة خيار زيادة الرواتب الذي طُرح (ستة رواتب أساس إضافية لموظفي القطاع العام). أي أن الحكومة استطاعت—بكبسة جباية واحدة—أن تقترب من تمويل قرارها من دون أن تقترب خطوة واحدة من إصلاح ضريبي حقيقي. السهولة هنا ليست ميزة؛ هي المشكلة: الأسهل دائمًا هو الأظلم حين يكون التمويل من الاستهلاك لا من القدرة على الدفع.
هذا ليس مسارًا جديدًا. قبل أشهر، في أواخر أيار 2025، سلكت الدولة الطريق ذاته تحت عناوين “الضرورة” و“حماية الاستقرار”: زيادة على البنزين قُدّرت بنحو 1.11 دولار للصفيحة بإيرادات تقريبية 123 مليون دولار، وزيادة على المازوت بنحو 1.94 دولار للصفيحة بإيرادات تقديرية 237 مليون دولار—أي حوالى 360 مليون دولار بالمجموع. ثم انتهى ذلك المسار إلى الإبطال عبر المجلس الدستوري. الخلاصة واضحة: الفكرة ثابتة، والأرقام تتبدّل. كلما احتاجت الدولة تمويلًا سريعًا، تذهب إلى الضريبة التي تُجبى بسهولة، ثم تُقاتل لاحقًا آثارها—سياسيًا واقتصاديًا—على دفعات.
في الجوهر، ما يحدث هو نقل عبء “تصحيح الأجور” من الدولة إلى المجتمع. بدل أن تتحمل الخزينة مسؤوليتها عبر إعادة تركيب النظام الضريبي ومواجهة مصادر الريع والتهرب، يجري تمويل الزيادات من البنزين: أي من جيوب الذين لا يملكون بديلًا عن التنقل اليومي. وهكذا تتحول الزيادة التي يُفترض أن تخفف معاناة الموظف إلى عاملٍ إضافي في تآكل دخله: ما يأخذه على الراتب يخسره في النقل، ثم يدفعه مجددًا في أسعار الغذاء والخدمات… لأن البنزين ليس بندًا معزولًا، بل “مفتاح التسعير” في السوق.
والأخطر أن هذا النوع من التمويل يُعمّق لا عدالة السياسة الضريبية. رسم البنزين ضريبة “مُسطّحة”: يدفعها الجميع على المحطة بالنسبة نفسها، بصرف النظر عن الدخل. العامل الذي يتقاضى بضع مئات من الدولارات يتحمل كلفة قاسية قياسًا بدخله، بينما يدفعها صاحب الثروة ككلفة هامشية. من دون شبكة أمان ومن دون آلية تعويض، تصبح الضريبة أداة لنقل الخسائر من الأعلى إلى الأسفل لا لتوزيع الأعباء بعدالة.
أما البدائل التي تُقال دائمًا ثم تُركن جانبًا، فهي معروفة: ضرائب دخل تصاعدية فعّالة، تضييق مساحات التهرب، مقاربة جدية للريوع والأرباح الكبرى، وتحويل فكرة “العدالة الاجتماعية” من شعار إلى سياسة. لكن هذه الطريق مكلفة سياسيًا لأنها تقترب من مناطق النفوذ. لذلك تُختصر الدولة مرارًا في حلٍ واحد: جباية من الأكثر قابلية للدفع قسرًا—أي المستهلك.
هذه ليست ضريبة على البنزين فقط. إنها ضريبة على الحركة، وعلى الحياة اليومية، وعلى فكرة أن الدولة تُصلح نفسها من حيث يجب: من فوق لا من تحت. وإذا كان هدف القرار تمويل الرواتب، فالثمن الحقيقي سيظهر في مكانٍ آخر: في موجة أسعار جديدة، وفي مزيد من اختناق الطبقات الهشة التي يُقال لها كل مرة إن الزيادة “لن تطالها”… ثم تُفاجأ بأنها أول من يدفع.


