بين 6 و28 كانون الثاني عاش الأكراد في الحسكة ما يشبه الانكسار السريع: تراجعٌ متدحرج أفقد «قوات سوريا الديمقراطية» معظم مناطق نفوذها في الرقة ودير الزور وحلب، وترك الريفين الجنوبي والشرقي للحسكة مكشوفين على احتمالاتٍ أكثر قسوة. لكن ما إن وُقّع اتفاق 30 كانون الثاني مع الحكومة السورية الانتقالية حتى تبدّل الإيقاع. فجأةً عاد السؤال الذي ظُنّ أنه دُفن تحت ضغط الخسائر: هل يمكن تحويل التراجع الميداني إلى مكسبٍ سياسي… عبر صيغةٍ تُبقي مكاسب «الإدارة الذاتية» وتُلبسها ثوب الدولة؟
الفكرة التي تتقدّم اليوم داخل المزاج الكردي ليست إعلان كيان ولا رفع راية انفصال، بل بناء معادلة أكثر دهاءً: الاندماج في الدولة مع الاحتفاظ بالبنية المحلية. أي أن تدخل «قسد» ومؤسسات «الإدارة الذاتية» في إطار الدولة السورية، لكن من دون نسف الهيكليات التي تشكّلت خلال 14 عاماً من إدارة المنطقة عبر المجالس والمؤسسات والذراعين الأمني والخدماتي. لهذا يتكرر على ألسنة قيادات بارزة، من مظلوم عبدي إلى إلهام أحمد، خطابٌ واحد بتركيبات مختلفة: نحن داخل الدولة… ولكن لا نعود إلى نقطة الصفر.
هذا الخطاب ما كان ليأخذ زخماً لولا إشاراتٍ خارجية أعادت رفع السقف ولو بالحد الأدنى. دعمٌ أميركي معلن للأكراد عبر مواقف السيناتور ليندسي غراهام ومحاولته الدفع بمشروع قانون لحمايتهم، ثمّ اتصالٌ بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وصولاً إلى مشهدٍ شديد الدلالة: وفدٌ كردي يحضر إلى جانب الوفد الحكومي في مؤتمر ميونيخ للأمن. في الحسابات الكردية، ليست هذه تفاصيل بروتوكولية، بل رسائل تقول إنهم لم يُشطبوا من لائحة الأطراف التي يجب التفاوض معها.
ومن هنا يتولّد الشعور الجديد في الحسكة: ما خسرته «قسد» على الأرض خلال أسبوعين يمكن تعويضه على طاولة السياسة، عبر صيغة «شبه حكم ذاتي»: إدارة محلية واسعة ترتبط بالحكومة الانتقالية، بينما تبقى الملفات السيادية بيد المركز، فيُسحب سلاح “تهمة الانفصال” من خصوم الأكراد، ويُحمى في الوقت نفسه ما يعتبرونه إرثاً مؤسسياً صنعته سنوات الحرب.
لكن الطريق إلى هذه الصيغة يمرّ داخل انقسامٍ كردي واضح. شريحةٌ ترى في اللحظة الراهنة بداية تدرّجٍ نحو «روج آفا» بنموذجٍ يقارب تجربة إقليم كردستان العراق، وشريحةٌ أخرى تفضّل سقفاً أقل حدّة: لامركزية موسّعة تضمن الحقوق وتمنع الصدام الكبير. الاختلاف ليس نظرياً فقط؛ إنه مرتبط بدرسٍ قاسٍ لم يغادر الذاكرة بعد: التمدّد إلى مناطق عربية واسعة في دير الزور والرقة وريف حلب حمّل «قسد» أثماناً أمنية وسياسية، وحوّلها من قوة محلية إلى طرفٍ متّهم بالتمدد خارج بيئته. لذلك يعتقد كثيرون أن “العودة إلى الجغرافيا الطبيعية” قد تكون مكسباً دفاعياً قبل أن تكون تراجعاً.
في قلب هذا السجال يطفو ملفٌ لا يمكن تجاوزه: النفط وعائداته. من يطالب بفدرالية أو لامركزية لا يتحدث عن خرائطٍ فقط، بل عن موارد تضمن تنميةً حقيقية لمنطقةٍ لطالما عاشت على هامش المركز. أي صيغة حكم محلي بلا حصة عادلة من العائدات ستبدو، في نظر الناس، مجرد “اسم جديد” لسياسات قديمة.
وعلى الضفة الأخرى من النقاش، ثمّة حقيقة تُربك كل مشاريع الأحادية: الحسكة ليست مدينة لونٍ واحد ولا محافظة أغلبية صافية. إنها مجتمعٌ مختلط تتشابك فيه العرب والأكراد والمسيحيون والسريان والآشوريون، اجتماعياً ودينياً وحتى عبر علاقات المصاهرة. لهذا يرتفع صوتٌ يقول: لا يكفي أن تُصاغ التسوية على مقاس الأكراد أو على مقاس خصومهم، بل يجب أن تُبنى على قاعدة “شراكة لا غلبة”. خصوصاً أن العشائر العربية قدّمت قتلى ضمن صفوف «قسد» و«الأسايش» كما فعل الأكراد، وأن استقرار المنطقة لن يتحقق إذا شعر أي مكوّن أنه انتقل من مظلوميةٍ قديمة إلى مظلوميةٍ جديدة.
ومن هنا يظهر الشرط الأعمق لأي ترتيبات مقبلة: مواطنة متساوية وثقة مجتمعية. لا حكم محلي ناجحاً إذا تحوّل إلى جهاز إقصاء، ولا اندماجاً مقنعاً إذا بقيت ملفات السجون ومعتقلي الرأي خارج المعالجة. كثيرون في الحسكة يرون أن اللحظة الراهنة فرصة لفتح باب “تصفير الأحقاد” عبر خطوات تبيّض السجون من المعتقلين السياسيين، وتؤسس لسلطةٍ محلية لا تُدار بعقلية الثأر ولا بعقلية المنتصر.
النتيجة أن الحسكة اليوم لا تعيش نشوة انتصار بقدر ما تعيش رهاناً على إعادة تعريف الخسارة: من خسارة الأرض إلى كسب الصيغة، ومن خرائط السيطرة إلى خرائط الإدارة. لكن هذا الرهان لن ينجح بورقة اتفاق وحدها، بل بقدرة جميع المكونات على تحويل “الاندماج” إلى عقدٍ جديد يضمن الشراكة والموارد والحقوق… ويمنع أن تتحول التسوية إلى شرارة نزاعٍ مؤجل.


