ليست أزمة الضرائب في القرار الأخير… بل في موازنة تُموِّل الدولة من يوميّات الناس وتترك الاستثمار “يتسوّل” حصة.
لا تسألوا لماذا ارتفعت الضريبة. بل اسألوا لماذا لا تملك الدولة سوى الضريبة.
ولا تسألوا كيف اشتعل الشارع عند أول زيادة. اسألوا كيف لا يشتعل، فيما نموذج المالية العامة قائمٌ أصلًا على فكرة واحدة: الجباية من الاستهلاك أسهل من مواجهة أصحاب النفوذ.
الجدل الذي فتحته الزيادات الأخيرة لم يفعل سوى إزاحة الستارة عن المسرح الحقيقي: موازنةٌ تُقدَّم كوثيقة “إدارة مالية”، لكنها في جوهرها وثيقة توزيع أعباء. وعندما تُقرأ الأرقام كما هي، يصبح واضحًا أن المشكلة ليست في بندٍ طارئ، بل في هندسة مالية تُعيد إنتاج نفسها منذ التسعينات: ضرائب غير مباشرة ثقيلة، ضرائب دخل ضعيفة، إنفاق جارٍ يبتلع الموازنة، واستثمارٌ يتيم لا يملك ما يكفي ليصنع نموًا أو يعيد بناء الدولة.
ستة مليارات… لكن من أين؟
في العام 2025، بلغت الإيرادات العامة المُحققة فعليًا قرابة 6 مليارات دولار، بزيادة بنحو 20% مقارنةً بالـ2024، أي قرابة مليار دولار إضافي. والأهم أن الرقم جاء أعلى من تقديرات موازنة 2025 التي كانت تدور حول 5 مليارات فقط. ثم جرى تثبيت هذا السقف في موازنة 2026 عبر تقدير الإيرادات المتوقعة عند مستوى 6 مليارات أيضًا.
قد يبدو هذا “تحسنًا”. لكنه ليس بالضرورة تحسنًا في عدالة الجباية أو في فعالية الدولة، بل قد يكون مجرد تحسن في قدرة الحكومة على التحصيل من المصادر الأسهل. والدليل في التركيبة.
جباية من جيب المستهلك: العمود الفقري للموازنة
تفكيك الإيرادات المتوقعة في 2026 يفضح النموذج بلا رتوش:
- ضرائب ورسوم الاستهلاك الداخلي: أكثر من 47.5% من الإجمالي. أي أن الكتلة الأكبر تأتي من TVA والرسوم على السلع والخدمات… من “يوميّات الناس”.
- ضرائب ورسوم التجارة الدولية: 13.7% (وفي قلبها الرسوم الجمركية على المستوردات).
- ضرائب الدخل: نحو 10.7% فقط—وهي النسبة التي تكشف المشكلة: الضرائب التي يفترض أن تكون تصاعدية ومربوطة بالقدرة على الدفع شبه هامشية.
- إيرادات غير ضريبية: نحو 18.39% (اتصالات وغيرها).
- ضرائب الممتلكات: 6.69%.
- إيرادات متفرقة: نحو 3.02%.
هذه ليست “تفاصيل جدول”. هذه شهادة هوية: الدولة ما زالت تموّل نفسها من الضرائب غير المباشرة أكثر مما تموّل نفسها من ضرائب الدخل التصاعدية. أي أنّها تفضّل الطريق الذي لا يتطلب مواجهة سياسية، ولو كان أثره طبقيًا فادحًا.
الدولة أصغر من قبل 2019… مهما كبرت الأرقام
المفارقة القاسية أنه رغم ارتفاع الإيرادات إلى 6 مليارات، ما زالت—بحسب المقارنة التي تطرحها الأرقام—أقل من ثلث ما كانت تحققه الدولة قبل 2019. ما يعني عمليًا أن القطاع العام لم يستعد “حجمه” ولا “فعاليته” داخل الاقتصاد. جزء من ذلك يعود إلى تقلّص الناتج المحلي، واتساع الاقتصاد غير النظامي، وتراجع نطاق الأنشطة الخاضعة للضريبة.
بعبارة أبسط: الدولة تحاول تمويل نفسها في اقتصاد أصغر، وبجباية محدودة، وبقدرة ضبط أضعف. والنتيجة الطبيعية؟ كلما احتاجت مالًا، تتجه إلى أسرع باب: الاستهلاك.
على ماذا تُنفق؟ على الحياة اليومية… لا على المستقبل
إذا كانت الإيرادات تكشف خلل الجباية، فإن النفقات تكشف خلل الأولويات—أو بالأحرى “سقف القدرة”. في موازنة 2026:
- المنافع الاجتماعية: نحو 27.25% (وتشمل تعويضات موظفي القطاع العام وأسرهم).
- الرواتب والأجور: نحو 23.66%—مرشحة للارتفاع بعد قرارات التصحيح.
- النفقات الرأسمالية (الاستثمارية): حوالى 12% فقط.
- النفقات الإدارية/التشغيلية: نحو 10%.
- نفقات وتحويلات وأبواب أخرى: حوالى 27.11%.
أكثر من نصف الموازنة يذهب إلى الرواتب والمنافع والتشغيل—أي إلى ما يُبقي الدولة واقفة بالحد الأدنى. أما الاستثمار، الذي يفترض أن يخلق نموًا ويعيد توسيع القاعدة الضريبية ويُخفف الحاجة إلى الضرائب الصادمة، فيبقى محدودًا. وهنا تقع الدولة في فخّ دائري:
ضعف الإيرادات يضغط الاستثمار… ضعف الاستثمار يمنع النمو… غياب النمو يُبقي الإيرادات ضعيفة… فتعود الدولة إلى ضرائب الاستهلاك.
الزيادات الأخيرة ليست “حلًا”… بل تكريس للمأزق
ضمن هذا النموذج، أي زيادة على الاستهلاك تبدو كمسكّن سريع: تؤمّن سيولة لخزينة تحتاج تمويل الرواتب والمنافع، لكنها في الوقت نفسه تعمّق اعتماد الدولة على الجباية غير العادلة، وتُغذّي آثارًا جانبية خطيرة: ضغط على الأسعار، توسع الاقتصاد غير النظامي، وتآكل القاعدة الضريبية على المدى المتوسط، ولو ارتفعت الإيرادات على المدى القصير.
لهذا، جوهر الأزمة ليس “رسم من هنا أو ضريبة من هناك”. جوهرها أن الدولة تُحاول تمويل نفقاتها الجارية من مصدرٍ يضرب المجتمع ويضغط الاقتصاد، ثم تتوقع أن يبقى المجتمع هادئًا والاقتصاد حيًّا.
الخروج من هذا المأزق ليس تعديلًا صغيرًا في الموازنة، بل انتقالًا في فلسفة الجباية والإنفاق:
- رفع وزن ضرائب الدخل التصاعدية داخل الإيرادات (لا أن تبقى عند 10.7%).
- تضييق مساحات التهرب، وتوسيع الاقتصاد الرسمي، وربط الجباية فعليًا بالنشاط الحقيقي.
- فتح نقاش جدي حول مشروع تعديل ضريبة الدخل المنتظر من وزارة المالية—لا كخطوة تقنية، بل كتحول في توزيع العبء.
- تحرير مساحة للاستثمار الرأسمالي تدريجيًا، لأن من دون استثمار لا نمو، ومن دون نمو لا إيرادات “صحية”.
هذه ليست موازنة دولة تخطط للتعافي. هذه موازنة دولة تحاول أن تنجو يومًا بيوم.
تجبى من الاستهلاك لأنها الأسهل، وتُنفق على الرواتب والمنافع لأنها الأشد إلحاحًا، وتترك الاستثمار لأن المستقبل في لبنان دائمًا قابل للتأجيل… حتى ينهار مرة أخرى.
والنتيجة واحدة: كل “زيادة” تُطرح كحلّ، تتحول إلى شرارة؛ وكل شرارة تُطفأ، يعود الدخان ليملأ الغرفة ذاتها. لأن المشكلة ليست في النار الأخيرة… بل في البيت المصنوع أصلًا من حطب الضرائب غير العادلة.


