ليست بيروت عاصمة تُنتج قرارًا. هكذا كانت. وهكذا ستبقى. غرفة انتظار كبيرة، يجلس فيها الجميع قرب نافذةٍ واحدة، يراقبون حركة الغيوم فوق الإقليم، ويتصرفون على أساس سؤالٍ واحد: متى تهبّ العاصفة؟
في الداخل، هناك ساعةٌ بطيئة تُقاس بالأشهر: خططٌ تحتاج وقتًا، قدراتٌ تُبنى بالتدرّج، ومؤسساتٌ تُرمَّم بصعوبة.
وفي الخارج، ساعةٌ مسرّعة تُقاس بالأيام: تهديدات، حشود، رسائل، واحتمالات ضربة تُنهي التفاوض وتفتح بابًا آخر.
وبين الساعتين، لبنان عالق: بلدٌ زمنه طويل… ومحيطه قراره قصير.


من هنا يمكن فهم “اللمسة” التي وضعها دونالد ترامب على لبنان حين وصفه—على طريقته—بـ“المشكلة الصغيرة”. ليست الكلمة هي الجرح، بل المعنى الذي تحمله: لبنان بالنسبة لصانع القرار الأميركي ليس ملفًا قائمًا بذاته، بل جزءٌ من لوحة أكبر تُرسم فيها إيران وإسرائيل أولًا، ثم تُعلّق بيروت في زاوية اللوحة بانتظار ما يسقط من ألوانها.


لهذا أيضًا لم تكن زيارة سفراء الخماسية إلى اليرزة نزهة دبلوماسية. كانت أقرب إلى زيارة تفتيش هادئة لميزان الوقت: كم يحتاج الجيش؟ ماذا يستطيع فعليًا؟ وأين تبدأ قدرة الدولة وتنتهي؟. فالمطلوب على الورق واضح: مرحلة ثانية من حصر السلاح. لكن الواقع أعقد: دولة تريد أن تسير بسرعة الخارج، فيما أقدامها الثقيلة لا تتحرك إلا ببطء الداخل.


قائد الجيش رودولف هيكل—وفق ما يُتداول—لم يذهب إلى عرضٍ نظري. ذهب إلى قاعدة بسيطة: لا تنفيذ بلا شروط. لا معنى لمرحلة ثانية إذا كانت القدرات ناقصة، ولا فائدة من ضغط الوقت إذا كان سيُنتج ارتدادًا على المؤسسة نفسها. لذلك جاء الحديث عن مهلة تتراوح بين أربعة وثمانية أشهر: ليست “ترفًا”، بل محاولة لتفادي فشلٍ يُكتب مسبقًا إذا طُلب من الجيش أن يركض وهو يحمل أحمالًا أكبر من طاقته.


وإذا كان السفراء قد أبدوا “تفهمًا”، فليس لأنهم هواة تأجيل. بل لأنهم يعرفون أن الجيش في لحظة لبنان الحالية ليس مؤسسة عادية: هو آخر عمود لا يزال قائمًا في بيتٍ تتساقط جدرانه. الضغط المفرط عليه من دون دعمٍ موازٍ قد يحوّله من ضمانة استقرار إلى نقطة انكسار. لذا يصبح التفهم نوعًا من الاستثمار: نريد نتيجة… لكننا لا نريد انهيار الأداة التي تنتجها.


ومن هنا يبدأ خط القاهرة–باريس بالظهور كخط نجاةٍ أكثر مما هو خط مؤتمرات. اجتماعٌ تمهيدي في القاهرة خلال أيام، ثم مؤتمر دعم في باريس بعد نحو أسبوعين. ظاهريًا: تنسيق وتمويل. عمليًا: محاولة لتثبيت الركائز قبل أن يداهمها الإقليم. دعوة الفرنسيين للرئيس جوزاف عون لترؤس مؤتمر باريس ليست مجاملة بروتوكولية؛ إنها رفع مستوى الرعاية السياسية للجيش، لأن لحظة الدعم لم تعد مالية فقط: هي لحظة تحصين داخلي قبل احتمالات اهتزاز خارجي.


لكن الحكاية لا تتوقف عند الجيش. لأن الداخل كلّه يعيش على فرضيةٍ واحدة تهمس بها الكواليس أكثر مما يعلنها الخطاب: لا تفتحوا معارككم الآن… انتظروا ما سيحدث في المنطقة. هنا يظهر أثر “العدّاد” الأميركي الذي يُقال إنه يقترب من نقطة حرجة مع طهران. سواء تحققت الضربة أو لم تتحقق، يكفي ظلّها كي يجمّد بيروت: الأطراف—الدولية والمحلية—تتصرف كأن الوقت الحالي ليس وقت استنزاف داخلي. لماذا؟ لأن أي تغيير كبير في الإقليم سيعيد ترتيب النسخة اللبنانية تلقائيًا، وبأقل كلفة داخلية ممكنة.


بهذا المعنى، تتحول الانتخابات النيابية من استحقاق سيادي إلى سؤال توقيت سياسي: ليس “هل في أيار؟” بل “أي انتخابات هذه قبل أن يحسم الإقليم وجهته؟”. انتخابات قبل العاصفة تعني—في نظر كثيرين—إعادة إنتاج القديم مع بعض الترميم. أما انتخابات بعد العاصفة فقد تكون ترجمة لأوزان جديدة تفرض نفسها. لذلك، حتى حين يرفع وزير الداخلية شعار “الانتخابات في موعدها”، تظل مؤشرات الحماسة ضعيفة: القليل يرشّح نفسه مبكرًا، والكثير يفضّل الانتظار. في لبنان، المرشحون لا يقرؤون القانون فقط… يقرؤون الخريطة.


وفي الخلفية، الجنوب لا ينتظر. الإعلام الإسرائيلي يتحدث عن تأهب وخطط تتراوح بين توسيع الضربات وبين خيارات استباقية “قوية”. قد يكون في ذلك تهويل، لكن مجرد تكرار الكلام بهذا الإيقاع يعني أن الحدود تتحول تدريجيًا إلى ساحة جاهزة لاستقبال الرسائل، حين تضيق مساحة السياسة. وكلما ارتفع منسوب التوتر بين واشنطن وطهران، زادت شهية تل أبيب لرفع السقف على الجبهة الشمالية—أو على الأقل لإبقاء احتمالها حاضرًا كعصا فوق الطاولة.


ثم يعود الداخل المعيشي ليذكّر بأن البلد ليس ورقة جغرافيا فقط، بل ناس. اتحادات النقل تلوّح بتحرك قريب، وتقول إن ضريبة البنزين ورفع الـTVA لن يضربا سائق التاكسي وحده، بل سيصعدان كلفة كل شيء. العبارة التي تلتقط مزاج الناس تختصرها: الدولة تعطي بالشمال وتسترد باليمين. أي زيادة تُموَّل بالضرائب غير المباشرة تصبح بسرعة زيادة على الورق وخصمًا في السوق—فتعود الدائرة إلى الغضب.


يعيش لبنان على ثلاث ساعات: ساعة الإقليم السريعة، وساعة الدولة البطيئة، وساعة الشارع التي تُشغَّل وتُطفأ. والمشكلة ليست في اختلاف الوقت، بل في الحقيقة الأشد قسوة: أن البلد لا يملك زرّ ضبط أي ساعة منها.