في لحظات التوتر الكبرى، لا يحتاج لبنان إلى انفجارٍ يقع على حدوده كي يشعر بالاهتزاز؛ يكفي أن ترتفع حرارة الإقليم ليتحوّل البلد إلى ساحة ترقّب جماعي. اليوم، يدور المشهد اللبناني حول سؤال واحد يُقال همساً أكثر مما يُقال علناً: ماذا لو انقلبت المواجهة الأميركية–الإيرانية من ضغطٍ سياسي إلى اشتباكٍ مفتوح؟ وهل ينجو لبنان من ارتداداته، أم يُستدرج—كالعادة—إلى هامشٍ ملتهب؟


اللافت أن الانقسام داخل المجتمع اللبناني لا يتمحور حول “التعاطف” مع هذا الطرف أو ذاك، بل حول تقدير الاتجاه: فريق يرى أن الضربة باتت أقرب من أي وقت، وأن إدارة دونالد ترامب لن تستطيع التراجع بعد نشر قوات وحشود واسعة في المنطقة من دون أن تبدو كمن يطلق تهديداً ثم يسحبه. فريق ثانٍ يقرأ المشهد بطريقة معاكسة: “هذا ليس إعلان حرب، بل مزاد تفاوضي”، ضغطٌ مقصود لتعديل شروط الحوار، خصوصاً أن طهران—بحسب هذا المنطق—لا تبحث عن مواجهة. أما الفريق الثالث فيتصرّف كمن لا يراهن على “حدثٍ واحد”: الضربة قد تقع وقد لا تقع، لكن التغيير في إيران والمنطقة يتقدّم على أي حال، سواء عبر اتفاقٍ يفرض وقائع جديدة أو عبر تصعيد يفرض كلفاً جديدة. لذا يفضّل هذا التيار الانتظار بدل إصدار أحكام نهائية.


غير أن بيروت لا تخاف فقط من الحرب، بل من “شكل السلام” إن حصل. فثمة تقدير يتسع في الدوائر السياسية مفاده أن أي تفاهم أميركي–إيراني—إذا تحقق—قد يدفع إسرائيل إلى رفع مستوى تحركها الإقليمي لتعويض ما تعتبره “تقييداً” لخياراتها. وبالنسبة إلى لبنان، يصبح ملف السلاح عنواناً جاهزاً لتصعيد الضغوط والضربات: إمّا معالجة سريعة، وإمّا مزيد من الإجراءات الإسرائيلية التي تُقدَّم كأنها “فرض وقائع”.


هنا يدخل الجيش اللبناني إلى قلب المعادلة، لا كطرفٍ سياسي بل كأداة التنفيذ الوحيدة المتاحة للدولة. ما يُطرح دولياً واضح في عمومه: الانتقال إلى مرحلة ثانية من حصر السلاح شمال الليطاني أو في المساحة الممتدة بين الليطاني والأولي. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحوّل “الوضوح العام” إلى تفاصيل: ما هي المهلة؟ ما هو حجم القوة؟ ما هو الدعم؟ وما هي البيئة الأمنية اللازمة كي لا تتحول الخطة إلى مقامرة؟


الجيش، وفق ما يُنقل، حاول أن يضع النقاش على الأرض لا في الهواء: لا معنى للالتزام بمرحلة جديدة إذا كانت الشروط مفقودة. لذلك طُرحت مهلة تتراوح بين أربعة وثمانية أشهر، لا بوصفها ترفاً زمنياً بل بوصفها شرطاً لتجنّب إخفاق محسوم. إلا أن الرسائل الدبلوماسية الآتية من الخارج لا توحي بحماسة تجاه “مهلة مرنة” أو خطة بلا توقيتٍ صارم، خصوصاً مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وغياب تجهيزات كافية لإنجاز المهمة.


ومن هنا يتفرع الخلاف الدولي إلى مقاربتين متقابلتين: جهة تقول إن تمكين الجيش شرطٌ لأي تقدم، وبالتالي يجب تقديم مساعدات تسند قدرته على بسط السلطة. وجهة أخرى تربط المساعدة بالنتيجة: “أظهروا تقدماً ملموساً أولاً”، ثم يصبح الدعم ممكناً. وبين هذين المنطقين يتحرك استحقاق مؤتمر دعم الجيش في باريس في 5 آذار، والذي يسبقه اجتماع تحضيري في القاهرة. لكن حتى هذا المؤتمر لا يبدو محصناً من التشكيك: هناك من يتحدث عن احتمال تأجيله، ومن يلمح إلى أنه إن انعقد فسيخرج بمساهمات محدودة، أو بتعهدات مشروطة بمهلة قصيرة وثابتة لا لبس فيها.


مصادر دبلوماسية تتحدث عن انزعاج أميركي وسعودي تحديداً من الصياغات الفضفاضة لخطة سحب السلاح ومن غياب جدولٍ زمني محسوم، وتقول إن هذا الموقف نُقل مباشرة إلى قائد الجيش رودولف هيكل خلال لقاءٍ مع سفراء الدول الخمس المعنية بالملف اللبناني. أما ردّ الجيش—كما يُتداول—فكان أقرب إلى مقارنة عملياتية: ما جرى جنوب الليطاني احتاج أربعة أشهر ونُفّذ بقوة تقارب عشرة آلاف عسكري مع مساندة “اليونيفيل”. شمال الليطاني، الصورة مختلفة: مساحة أكبر، لا دعم من “اليونيفيل”، عدد متاح يقارب 3500 عسكري فقط، ومعطيات غير مكتملة عن المواقع، ما يعني أن طلب نتائج سريعة بقدرات ناقصة يشبه مطالبة مؤسسة بإنتاج معجزة. وفي موازاة ذلك، يؤكد الجيش أنه يرفع الإجراءات لمنع نقل السلاح أو تحريكه، أي تقليص مفاعيله إلى الحد الأدنى بانتظار اكتمال شروط التنفيذ الأوسع.


في المقابل، تحاول بعض المصادر رسم صورة أقل تشاؤماً: لا انقلاب في المزاج الدولي كما يُشاع، وهناك تفهم واسع لأداء الجيش خصوصاً في جنوب الليطاني، لكن هذا التفهم يفترض وجهه الآخر: ضغطٌ دولي على إسرائيل لوقف الاعتداءات، ودعمٌ فعلي يطابق حجم المهمة بدل الاكتفاء بالشروط. وتضيف هذه المصادر أن بيروت تتلقى إشارات إيجابية من بعض المشاركين في مؤتمر باريس توحي باستعداد لتقديم دعم، ما يجعل المؤتمر محطة “اختبار جدية” لا مجرد اجتماع بروتوكولي.


إلا أن العقدة الأكبر ليست عسكرية فقط، بل سياسية بامتياز: ملف السلاح صار بوابة لكل الاستحقاقات، وفي مقدمتها الانتخابات النيابية. منطق متداول في بعض الدوائر يقول: “لا انتخابات في ظل السلاح”، وتأجيل الاستحقاق يحفظ التوازنات لأن البرلمان لن يتغير جذرياً على أي حال. لكن هذا الاتجاه يصطدم—بحسب ما يُنقل—برفض الرؤساء الثلاثة، الذين يتمسكون بالمواعيد الدستورية ويرفضون تحويل الانتخابات إلى رهينة ملف مفتوح، خصوصاً أن التعويل على أن التأجيل سيُحدث فرقاً في التوازنات الكبرى يبدو غير مضمون، بل قد يفاقم الشلل.


يقف لبنان بين مسارين لا يملك مفاتيحهما: مسار إقليمي قد ينفجر أو يبرد باتفاق، ومسار داخلي يُطلب منه إنجازات ثقيلة بأدوات محدودة وتحت نيران مستمرة. وبين الاثنين، يصبح السؤال الحقيقي ليس “هل تقع الحرب؟” بل: هل ينجح لبنان في انتزاع معادلة عادلة—دعمٌ مقابل التزام، ووقف اعتداءات مقابل خطة، ومؤسسة تُحمى لا تُستنزف—أم يُترك مرة أخرى ليدفع ثمن ساعة ليست ساعته؟