«لوين آخذين البلد يا إخوان؟»… بهذه الجملة، وقف وزير المالية ياسين جابر في الجلسة التشريعية الأخيرة ليرسم سقفاً أخلاقياً وسياسياً لأي زيادة تُقرّ على رواتب القطاع العام. لم يقل فقط إن الزيادة لا يجوز أن تُمنح “اعتباطاً”، بل شدّد على المعنى الأكثر حساسية: أن تمويلها يحتاج تأنّياً، وأن الدولة لا ينبغي أن “تعطي الموظفين بيد وتَأخذ منهم بيد أخرى”. في تلك اللحظة، بدا كلامه كأنه تعهّدٌ علنيّ: لا زيادات تُموَّل من جيوب الناس أنفسهم، ولا قرارات تُرمِّم الراتب على الورق ثم تُفجِّر الأسعار في السوق.


لكن ما إن انتقل الملف من منصة الكلام في البرلمان إلى غرفة القرار في مجلس الوزراء، حتى انكشفت المفارقة. ففي جلسة 16 شباط، خرجت الحكومة بزيادة سُمّيت “ستة رواتب”، لتُقدَّم كحلّ سريع يطفئ غضب الموظفين والمتقاعدين. غير أن الصيغة التي اعتمدتها الحكومة نسفت جوهر ما قاله الوزير نفسه: الزيادة لم تُضم إلى أساس الراتب، بل صُنّفت “تعويضاً مؤقتاً شهرياً” يوازي ستة أضعاف الراتب الأساسي أو التعويض أو الأجر أو المعاش التقاعدي. والفارق بين أن تكون الزيادة جزءاً من الأساس أو مجرد تعويض مؤقت ليس تفصيلاً محاسبياً؛ إنه الفرق بين حق ثابت يمكن البناء عليه، وبين “مساعدة” قابلة للتعديل والتبخير والإلغاء عند أول منعطف مالي أو سياسي.


هذه الصيغة اصطدمت أيضاً بما كان يُقال إنه اتفاق مبدئي، وخصوصاً مع العسكريين المتقاعدين، حول رفعٍ يُعيد الاعتبار لأساس الراتب على نحو تدريجي (طُرحت فكرة مضاعفة الأساس 30 ضعفاً بما يعادل نصف راتب 2019، ثم العودة الكاملة بحلول 2028). ما حصل فعلياً أن كل الزيادات المتراكمة حتى اليوم، بما فيها “الستة رواتب”، لم ترفع ما يتقاضاه الموظف أو المتقاعد إلا إلى نحو ثلث ما كان يحصل عليه قبل الأزمة. أي إنّ “التصحيح” لم يقترب من إعادة الدخل إلى مستواه الطبيعي، بل اكتفى بإبقاء الناس في منطقة رمادية: رواتب تُضخّ فيها تعويضات، لكن القدرة الشرائية تبقى بعيدة، ومقياس الخسارة لا يتبدّل جذرياً.


غير أن ضربة 16 شباط لم تكن في شكل الزيادة وحده، بل في الثمن الذي فُرض لتغطيتها. هنا بالضبط سقطت عبارة جابر: “لا نعطي بيد ونأخذ بالأخرى”. لأن الحكومة، مقابل “ستة رواتب”، قررت تمويل الكلفة المقدّرة بنحو 800 مليون دولار عبر أسهل الأدوات وأكثرها ظلماً اجتماعياً: زيادة 1% على الضريبة على القيمة المضافة، و300 ألف ليرة على كل صفيحة بنزين. ثم قُدّم الأمر كأنه “مراعاة للفقراء” لأنه لا يطال المازوت. وكأن مشكلة الفقراء في لبنان هي مادة واحدة، لا سلسلة كلفة معيشة تبدأ من النقل ولا تنتهي عند رغيف الخبز.


بهذا القرار، عادت الحكومة إلى قاموس الحكومات التي سبقتها: ضرائب غير مباشرة تُصيب الجميع، والفقير قبل الغني، من دون الاقتراب من أصحاب الريوع، ومن دون أي إصلاح ضريبي يردم الفجوة بين من يربح ومن يدفع. فرفع الضريبة على الاستهلاك، ورفع رسم البنزين تحديداً، لا يعني فقط زيادة رقم على فاتورة؛ إنه قرار يرفع كلفة النقل في بلد يُجبر الناس على النقل الخاص بسبب غياب شبكة نقل عام فعّالة، ويزيد أسعار السلع لأن النقل يدخل في كلفة كل شيء تقريباً. عملياً، تتحول “زيادة رواتب” إلى محرّك تضخم جديد: ما يدخل إلى جيب الموظف يعود إلى السوق على شكل ارتفاع أسعار يلتهمه بسرعة، وربما يلتهم ما تبقّى من دخل باقي المواطنين أيضاً.


ولمن يريد رؤية الخلل بعيون الأرقام لا بالشعارات، تكفي نظرة إلى تركيبة الإيرادات في موازنة 2026: إيرادات ضرائب الدخل من دون الأجور تُقدّر بنحو 418.6 مليون دولار، فيما ضرائب الدخل على الأجور بنحو 225.4 مليون دولار، ضمن إجمالي إيرادات مقدّرة بـ6.2 مليارات دولار. أي أن ضرائب الأرباح، عملياً، لا تشكل سوى نحو 6.7% من الإيرادات. والأفدح: إذا كانت التقديرات تشير إلى أن حصة الأرباح من الناتج المحلي مرتفعة جداً (تصل إلى نحو 60% من ناتج قدّرته الحكومة بـ36 مليار دولار)، فكيف تكون حصة الضريبة على هذه الأرباح متدنية إلى حد تبدو معه كأنها 1.2% فقط من الناتج؟ في المقابل، عالمياً، حصة الأرباح من الناتج أقل عادة (نحو 30% وقد تنخفض إلى 20%)، ومع ذلك لا تقل الضريبة على الأرباح في المتوسط عن قرابة 4% من الناتج. هذا يعني أن الدولة تعرف أين يوجد المال… لكنها تختار ألا تذهب إليه.


ومن هنا أيضاً ظهرت قراءة تقول إن معركة 1% على الـTVA قد لا تكون إلا “ضجيجاً” لتسهيل تمرير رسم البنزين. فالـTVA يصعب إمرارها نيابياً في ظل إعلان كتل عديدة رفضها، بينما رسم البنزين صار أمراً واقعاً سريعاً بعد إقراره. والنتيجة الملموسة هي الأشد وقعاً: 300 ألف ليرة إضافية على صفيحة البنزين—زيادة قاسية تقترب من خُمس السعر—ستترجم فوراً على تعرفة النقل وعلى أسعار السلع والخدمات.


لهذا لم يتأخر المسار الاعتراضي. نقابة أصحاب الأوتوبيسات والسيارات العمومية ومكاتب النقل تحركت للطعن بقرار الحكومة أمام مجلس شورى الدولة بالتعاون مع تكتل لبنان القوي، مع التذكير بطعن سابق في أيار الماضي بقرار مشابه أوقفه المجلس لاعتبارات تتصل بمبدأ شمولية الموازنة وبمسألة الصلاحية. وبموازاة ذلك، سلك الملف طريقاً دستورياً عبر طعن النائبة بولا يعقوبيان بالمادة 55 من قانون الموازنة، معتبرة أنها تفتح الباب لمنح الحكومة حقاً عملياً برفع الرسوم والضرائب عبر قرارات، ومنها ما يرتبط بالمحروقات.


جملة وزير المالية—«لوين آخذين البلد؟»—لم تعد سؤالاً موجهاً للنواب أو للشارع، بل تحوّلت إلى سؤال موجّه للحكومة نفسها. لأنها حين قالت إنها لا تريد “إعطاء بيد والأخذ بالأخرى”، انتهت إلى قرارٍ يفعل ذلك بالضبط: زيادة مؤقتة تُدفع للموظف، وتمويل دائم يرفع كلفة الحياة على الجميع. وفي بلد يُدفع فيه الناس إلى الاستهلاك قسراً بسبب غياب الخدمات العامة، يصبح رسم البنزين ليس مجرد بند مالي… بل سياسة كاملة تُعيد توزيع الخسائر نحو الأسفل، ثم تطلب من الناس أن يقتنعوا بأن ما جرى “إنصاف”.