ليس الإقليم في انتظار خبرٍ بقدر ما هو عالقٌ في انتظار قرار: قرارٌ لم يُعلن، لكن ظلاله تسبقُه إلى العواصم والحدود والأسواق وغرف العمليات. في المشهد الأميركي–الإيراني، تبدو التناقضات في التسريبات والمواقف جزءاً من “لغة التفاوض” المعتادة، غير أنّها هذه المرّة تحمل شيئاً أشدّ خطورة: إنها ليست ضباباً دعائياً فقط، بل ضبابٌ مسلّح، يُدار فيما الحشود تتحرّك، والمنطقة تُعاد هندستها على إيقاع احتمالٍ واحدٍ يتقدّم خطوةً كل يوم: الحرب بوصفها أداة ضغط، أو الضغط بوصفه مقدّمة حرب.
الولايات المتحدة، وفق ما تتداوله المعطيات، لا تكتفي بتصعيد الخطاب أو توسيع دائرة العقوبات، بل تعيد تثبيت حضورها العسكري في الإقليم على نحوٍ هو الأكبر منذ سنوات. وهذا النوع من الحشد لا يُقرأ كإجراء احترازيّ محض؛ إنه خطابٌ موازٍ للخطاب السياسي، يقول لطهران ولحلفاء واشنطن معاً إنّ التفاوض لا يجري من موقع “المرونة” وحدها، بل من موقع القدرة على الإكراه. وفي قلب هذا الإكراه، تبرز تسريبات أميركية عن احتمال تنفيذ ضربات تطال “مراكز قوى” أساسية داخل إيران، كأن واشنطن تريد أن ترفع سقف الرسالة من حدود الردع إلى حدود كسر الإرادة: دفع طهران إلى توقيع اتفاق لا يكتفي بالنووي، ولا يسمح لها بتقطيع الملفات على مراحل، بل يضمّ كل العناوين العالقة تحت سقف واحد.
هنا تتكشّف العقدة الكبرى: واشنطن تريد اتفاقاً “كاملاً” يطوي ما تعتبره مصادر تهديد متشعبة—النووي وما يتصل به، وما تُدرجه في خانة النفوذ الإقليمي وأدواته—بينما تتمسّك إيران، بحسب ما يُنقل عنها، بفكرة حصر التفاوض بالملف النووي فقط، مع فتح نافذة اقتصادية باتجاه الولايات المتحدة. وما بعد ذلك—وفق المقاربة الإيرانية—يمكن بحثه لاحقاً، في زمنٍ آخر، وبميزانٍ آخر، وبشروطٍ أقلّ اندفاعاً نحو “التسليم الشامل”. إنّه صراع على شكل الاتفاق قبل أن يكون صراعاً على مضمونه: هل تُوقّع طهران على حزمة واحدة تُقفل الأبواب كلها؟ أم تفرض معادلة المرحلية لتستعيد الوقت والاقتصاد ثم تفاوض من جديد؟
بالنسبة إلى إيران، وللخامنئي تحديداً، لا تُقرأ الضربة المحتملة كعملية عسكرية محدودة يمكن امتصاصها والعودة بعدها إلى المفاوضات. الضربة—في عقل المرشد ومحيطه كما تُصوّرها التسريبات—هي امتحان وجود، لأن قبولها بوصفها “رسالة” يُحوّل الدولة إلى هدفٍ قابلٍ للتأديب عند كل منعطف. لذلك تظهر طهران وكأنها تتهيأ للحرب باعتبارها واقعة لا احتمالاً، وترفض منذ الآن فكرة “الضربة المرتّبة” أو المتفاهم عليها: ضربة تُنفّذ ثم تُستأنف المفاوضات ويُصار إلى اتفاق. في منطق إيران، هذه ليست صفقة؛ هذا نموذج إذعانٍ مؤجل. ولذلك تصرّ على أنّ أي استهداف عسكري سيكون، حكماً، حرباً شاملة، وأنّ الردّ—إذا فُرض—لن يُدار كوظيفة ضبط إيقاع بل كوظيفة قلب طاولة.
غير أنّ الحرب الشاملة، كما تُفهم من طهران، لا تتوقف عند حدودها. هنا يدخل الحلفاء إلى قلب المعادلة: ثمّة رأي داخل إيران، بحسب ما تُظهره المعلومات، يرى أنّ حلفاءها سينخرطون إلى جانبها إذا انفجرت المواجهة، وأن المواقع والمصالح الأميركية ستصبح عرضة للاستهداف، لا بوصفه فعل تضامن سياسي فحسب، بل بوصفه منطقاً عسكرياً يسعى إلى توزيع الضغط وتوسيع ساحات الاشتباك كي لا تبقى إيران وحدها تحت النيران. وفي هذا السياق يكثر الحديث عن قدرات “كاسرة للتوازن”: صواريخ دقيقة، صواريخ بالستية، وأدوات ردع قد تُستخدم لإنتاج معادلة جديدة مفادها أن ضرب إيران لن يبقى حدثاً محصوراً داخل إيران.
حتى لغة خامنئي نفسها تُستثمر في هذا الاتجاه. استعادته لموقعة كربلاء ليست مجرد استدعاء وجداني لحدث تاريخي؛ إنها إعادة تعريفٍ للمعركة بكونها امتحاناً يتجاوز الدولة إلى “الرمزية”. كربلاء هنا تتحول إلى مفتاح تعبئة، يلامس حساسية عابرة للحدود لدى شيعة العالم، ويؤسس لفكرة استنفار “وجودي” للدفاع عن الولي الفقيه، وعن المكانة التي تمثلها إيران كمرجعية سياسية وروحية لدى جمهورها. إنها لغة تُحاول أن تجعل الحرب—إن وقعت—معركة هوية لا معركة ملفات، كي لا تُقاس فقط بالحسابات، بل بالمعنى.
وفي الجهة الأخرى، تتسرّب رواية دبلوماسية غربية تقول إن قرار الضربة الأميركية قد اتُّخذ، لكن لا أحد يعرف موعدها أو حجمها أو شكلها. في هذا النوع من الضباب، يصبح السؤال الأخطر: هل المقصود ضربة لتعديل سلوك طهران أم ضربة لتعديل خرائط المنطقة؟ فحين يُقال إن الهدف هو “تغيير الوقائع والتوازنات”، فهذا يعني أن المسألة لا تقف عند إيران وحدها، بل تتدحرج تلقائياً إلى ساحات كانت دائماً جزءاً من معادلة النفوذ والردع—وفي طليعتها لبنان.
من هنا يدخل المسار اللبناني بوصفه ارتداداً سياسياً للقرار العسكري. إذا كانت الضربة تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الإقليم، فمن الطبيعي أن تندفع القوى الدولية والإقليمية إلى استثمار اللحظة لزيادة الضغط على لبنان، ودفعه إلى تسريع مسار سحب سلاح الحزب. هكذا يتحول البلد الصغير—مرّة أخرى—إلى عقدة في طريق مشروع أكبر: لا يُسأل عمّا يريد، بل يُسأل عمّا يمكن فرضه عليه عندما تتغيّر “البيئة الاستراتيجية” حوله.
وفي داخل حزب الله، كما تنقل التسريبات الغربية، يظهر اتجاهان يتنازعان القراءة والقرار. اتجاهٌ يحاول أن يُبقي الحزب ولبنان خارج دائرة الاشتعال، مدركاً أن أي انخراط واسع سيعيد إنتاج الاستنزاف ويُفاقم هشاشة الداخل. واتجاهٌ آخر، تُنسب نبرته إلى شخصيات داخل المجلس الجهادي، يرى أن لحظة المواجهة باتت حتمية، وأن السكوت على الضربات الإسرائيلية المتتالية لم يعد خياراً، وأن “الانتقام” والتعويض عن ضربات سابقة صار جزءاً من ضرورة الردع لا من رغبة الرد.
لكن إسرائيل، في المقابل، لا تنتظر اكتمال قرار الخصم لتحدّد قرارها. وفق ما تُسرّبه جهات دبلوماسية للمسؤولين اللبنانيين، ثمة رغبة إسرائيلية بخيارين: إما تحرك استباقي ضد الحزب، أو—إذا رُصدت تحركات تُقرأ كاستعداد للانخراط—تنفيذ ضربة واسعة وقاسية تطال مراكز قوة ومواقع أساسية، مع احتمال تنفيذ عمليات اغتيال تطال شخصيات جهادية وعسكرية وازنة. وفي هذا التلويح، تُطرح قائمة تُقدّر بنحو 1200 هدف في لبنان جاهزة للضرب عند لحظة التحول. الرقم هنا ليس معلومة بقدر ما هو رسالة: مساحة النار جاهزة، والقرار مرتبط بإشارة واحدة.
ومع احتمال دخول حلفاء إيران إلى جانبها، تتجه الأنظار تلقائياً نحو لبنان والعراق واليمن، لأن هذه الساحات هي التي تُترجم فيها الحرب الإقليمية عادةً إلى اشتباكات على خطوط النفوذ. في لبنان، يتحول الترقب إلى حالة انتظار ثقيلة: ماذا يمكن أن يحدث إذا اندفعت إسرائيل إلى توسيع العمليات؟ وأيّ المناطق ستكون في مرمى الاستهداف؟ ترتفع المخاوف خصوصاً على البقاع، الذي يُنظر إليه—في قراءات كثيرة—كخزان حيوي لقدرات الحزب الصاروخية البعيدة المدى والدقيقة، ما يجعله مرشحاً لعمليات أوسع إذا انفتحت المعركة.
وفي المقلب المقابل، تتكاثر التسريبات الدبلوماسية المتعارضة: بعضها يرى أن إسرائيل قد تواكب الاستعداد الأميركي للحرب عبر توسيع ضرباتها في لبنان لمنع أي إسناد لطهران أو قطع الطريق على قرار الانخراط. وبعضها يذهب إلى أن توسيع العمليات ضد لبنان قد يكون مؤشراً تمهيدياً للعملية العسكرية ضد إيران نفسها، أي إنذاراً متقدماً قبل ارتطام المركز. وبين الروايتين، ثمّة رصد لنشاط استخباري إسرائيلي متزايد داخل لبنان، وحديث عن طائرات مسيّرة أكثر تطوراً تُدار بخصائص تجعلها أقل ضجيجاً وأكثر قدرة على العمل في هامش لا يلتقطه الناس بسهولة. وهذا كله يُغذّي مخاوف من انتقال المواجهة إلى نمط استنزاف دقيق، تُدار فيه الضربات كنبضٍ طويل لا كصدمة واحدة.
ولا تقتصر المخاوف على لبنان. تتحدّث التسريبات عن احتمال توسيع العمليات إلى العراق ومناطق أخرى تتمتع فيها إيران بنفوذ، بالتوازي مع استهداف أهداف استراتيجية داخل إيران وإعطاء هامش لحركة معارضين للنظام على الأرض. في هذه الصورة، تصبح الحرب—إذا اندلعت—مركّبة: ضرب قدرات، وإرباك بيئات، وفتح جبهات، وتوليد ضغط داخلي وخارجي في آن واحد.
في أي حال، يتعاطى حزب الله—بحسب ما يُتداول—وكأن الحرب واقعة، وأن إسرائيل قد تستغل الظروف لتوجيه المزيد من الضربات له حتى لو حاول البقاء على الحياد. ثمة من يعتقد أن الحزب قد يلتزم في الأيام الأولى نوعاً من الحياد الحذر، على غرار ما حصل في فترة حرب “الاثني عشر يوماً”، أي مراقبة مسار الموجة الأولى قبل اتخاذ قرار الدخول. لكن هذا الاحتمال يبقى هشاً إذا اشتدت المعركة وارتفع منسوب التهديد للنظام في طهران إلى مستوى وجودي؛ عندها قد يتحول الحياد إلى ترفٍ غير ممكن، ويتحول الانخراط إلى خيار يُقرأ بوصفه دفاعاً عن عمق المحور لا دفاعاً عن ساحة بعينها.
وإذا قرر الحزب التدخل، فإن لديه—وفق الرواية التي تُطرح—أسباباً يعتبرها موجبة: الرد على اغتيال الطبطبائي، الرد على العمليات الإسرائيلية المتواصلة، وإضافةً إلى ذلك استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية. في هذا المعنى، يصبح القرار—إن اتُّخذ—امتداداً لتراكمات لا لحدث منفرد، وباباً يفتح على أسئلة أكبر: هل لبنان قادر على تحمّل حرب تُستدعى إليه من توازناتٍ تتجاوز حدوده؟ وهل يمكن لتحييدٍ سياسي أن يصمد إذا تحوّلت المواجهة إلى معركة محاور لا تعترف بالمسافات؟
المنطقة كلها، تعيش لحظة “ديبلوماسية مسنودة بالسلاح” أو “سلاحٍ يتخفّى وراء الدبلوماسية”. وكل طرف يحاول أن يفرض تعريفه للحظة: واشنطن تريد أن تجعل الضربة خياراً قابلاً للاستخدام لحمل إيران على اتفاق شامل. وإيران تريد أن تجعل الضربة مرادفاً لحرب شاملة كي تُسقط منطق “الضربة المرتّبة”. وبين التعريفين، تُختبر الأعصاب والسياسات والتقديرات. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون أخطر ما في الحرب أنها قد تقع… بل أنها قد تقع بفعل خطوة واحدة أُسيء تقديرها، أو تسريبٍ قرأه طرفٌ كإنذارٍ فيما قرأه الآخر كتمويه.


