ليس في لبنان ما يمكن تسميته “استقراراً” بقدر ما هو تعليقٌ مُتقن للأزمة، أشبه بحكمٍ مؤجّل التنفيذ. بلدٌ يتحرّك داخله كل شيء… كي لا يقع شيء. كل مؤسسة تحاول أن تشتري دقيقة إضافية، وكل طرفٍ يربط قراره بسؤالٍ خارج الحدود: متى تشتعل المواجهة الكبرى بين واشنطن وطهران، وكيف ستُترجم ارتداداتها على ساحاتٍ اعتادت أن تُستخدم كأطرافٍ رخوة في لعبة الرسائل؟


في هذا الفراغ المشحون، تبدو الدولة واقفةً على حافة امتحان مزدوج: إثبات “الأهلية” أمام الخارج قبل أن ينهار جدول الأولويات، وإدارة الداخل من دون أن تتفكك آخر مسامير الشرعية. العهد والحكومة يتسابقان إلى منصة المجتمع الدولي، لا بحثاً عن اعترافٍ معنوي، بل عن دعمٍ ملموس للجيش—مالاً وتسليحاً وتجهيزاً—في المؤتمر الموعود في باريس في الخامس من آذار. غير أن هذا الدعم لا يأتي كمنحة مجانية، بل كصفقة مشروطة: نتائج محسوسة في ملف السلاح شمال الليطاني، بلغةٍ لا تترك مجالاً للالتباس—المطلوب “إنجاز” لا “نية”.


هنا تحديداً يدخل عامل الوقت كأداة سياسية لا كعنصر تقني. المهلة التي يطلبها الجيش—بين أربعة وثمانية أشهر—تبدو محاولة لتأطير المشكلة ضمن مسارٍ قابل للهضم داخلياً، ومقبولٍ خارجياً، من دون فتح باب صدامٍ أهلي أو كسر توازنات دقيقة. لكنها، في العمق، مهلة معلّقة على دوام الهُدنة الإقليمية. فإذا انتقل الضغط الأميركي على إيران من التلويح إلى الفعل، تنهار تلقائياً “الحلول المرحلية” التي تعيش على هامش التوتر، وتتحول كل الروزنامات اللبنانية إلى ورقٍ بلا معنى، لأن الحرب—حين تُشعل—لا تقرأ جداول أعمال بيروت.


وفي موازاة شرط باريس، يطلّ أيار 2026 كموعدٍ يُحرج الجميع. الانتخابات هنا ليست مجرد استحقاق دستوري؛ إنها اختبار قابل للانفجار. إجراء الانتخابات تحت مناخ سلاح وتوتر إقليمي يهدد بتحويلها إلى موسم اشتباك سياسي وأمني. وتأجيلها، في المقابل، يضرب شرعية السلطة ويُقوّض آخر ما تبقى من انتظام المؤسسات. هكذا يجد النظام نفسه بين خيارين مُرّين: تمديدٌ يُفقده الغطاء، أو انتخاباتٌ قد لا يمتلك أدوات حمايتها ولا حتى الرغبة الحقيقية في خوضها وسط احتمالات الحرب.


حتى ملف اقتراع الاغتراب، الذي يُفترض أن يكون مساحة انتظام إداري، انزلق إلى حقل ألغام. رفض وزارة الداخلية طلب ترشح عباس عبد اللطيف فواز عن المقعد الشيعي للدائرة 16 في الخارج بحجج إجرائية تتصل بفتح باب الترشح وآلياته في الخارج والمهل والمستندات والحسابات والتدقيق المالي وتحديد جهة تقديم الطلبات، فتح باباً جديداً للسجال حول الجهوزية والشفافية والصلاحيات بين الإدارة المركزية والسفارات. وفي بلدٍ لا يُترك فيه فراغ إداري بلا تأويل سياسي، تتحول التفاصيل التقنية إلى مادة اشتباك حول التمثيل، وحول وزن أصوات المغتربين، وحول “من يملك مفاتيح اللعبة” حين تُنقل الصناديق خارج الحدود.


وسط هذا كله، يعيش حزب الله لحظة شديدة القسوة في تاريخه السياسي والميداني: ضغط أميركي–إسرائيلي يتقدم بلا هوادة، خسارة جزءٍ من العمق السوري الذي كان يوفّر هامشاً استراتيجياً، وتراجع الغطاء الداخلي الذي كان يُسهّل إدارة التوازنات. الحزب محشور بين ضرورتين لا تتعايشان بسهولة: ضبط الداخل كي لا يُفتح باب الفوضى، وحفظ صورة الردع كي لا تتحول الضربات الإسرائيلية المتكررة إلى قاعدة استنزاف دائمة. وهو، في الوقت نفسه، مضطرّ إلى قراءة مصيره ضمن مصير طهران: أي خطأ في توقيت الرد قد يجرّ لبنان إلى مواجهة شاملة قبل أن تتحدد وجهة الصدام الأكبر.


هذا الهامش الضيق هو ما تراهن عليه إسرائيل اليوم. حين يبلغ التأهب الأميركي ضد إيران ذروته، تبدو تل أبيب وكأنها تمتلك فرصة “العمل تحت السقف”: قضمٌ تدريجي لقدرات الخصم، رفع مستوى الاستهداف، توسيع بنك الأهداف، واختبار حدود الصمت. فهي تفترض أن الحزب لن يغامر بإشعال حربٍ كبرى وهو يترقب صورة المشهد في إيران، وبالتالي تُكثّف عملياتها وتراهن على عامل الإحراج والإنهاك أكثر من رهانها على الصدمة الواحدة.

ضمن هذا السياق جاءت ضربة عين الحلوة لتوسّع دائرة الرسائل وتفتح سؤالاً جديداً حول المخيمات. استهداف حيّ حطّين في المخيم عبر مسيّرة إسرائيلية وسقوط شهيدين—مع إعلان إسرائيلي يتحدث عن ضرب موقع مرتبط بعناصر من حماس—ليس حدثاً عابراً في مدينة صيدا فقط، بل إشارة إلى قابلية المخيمات لأن تتحول إلى “مختبر قياس” للردود: هل يُترك الاستهداف يمرّ؟ هل تُرفع كلفة الرسالة؟ أم تُدار الأزمة على طريقة الامتصاص؟ وفي بلدٍ يعيش أصلاً على هشاشة الأمن وتداخل السلطات، يصبح نقل الضغط إلى المخيمات مقامرةً خطرة، لأنها تخلق ساحةً إضافية لا تملك الدولة وحدها مفاتيح ضبطها.


على خط السياسة الداخلية، يبرز خطاب “الثنائي” بوصفه محاولة لتثبيت جبهة داخلية في وجه مرحلة يعتبرها استهدافاً مباشراً. لقاء عين التينة بين الرئيس نبيه بري والنائب محمد رعد ووفد الكتلة، وما رافقه من تأكيد التطابق الانتخابي وخوض الاستحقاق معاً “في أي اتجاه كان”، يتجاوز معنى التحالف الانتخابي إلى معنى التموضع: تقديم النفس كمنصة وحدة وطنية لمواجهة المخاطر، وربط ملف الانتخابات بسياق السيادة والاستقرار والاحتلال. هنا تُستعاد لغة “الجبهة” لأن اللحظة تُقرأ كمعركة شروط لا كمنافسة برامج.


غير أن الخيط الأكثر حسماً يبقى خارجياً. توقيت الإقليم يُضبط على إيقاع واشنطن وطهران. تصريحات دونالد ترامب عن أنه يدرس ضربة محدودة لإيران، وما يتردد عن بلوغ التخطيط العسكري مراحل متقدمة وخيارات تتراوح بين عمليات دقيقة وسيناريوهات أوسع، يضع المنطقة أمام نوع جديد من الضغط: ضغط يخلط الغموض بالجاهزية، ويحوّل الدبلوماسية إلى ظلّ ثقيل للقرار العسكري. وحين تُطرح احتمالات عملية ممتدة لأسابيع تستهدف منشآت أمنية وبنى نووية، يصبح السؤال في بيروت أقلّ “ماذا نريد؟” وأكثر “ماذا نستطيع أن نتحمل؟”.


من هنا تتشابك كل الملفات اللبنانية في عقدة واحدة: الدولة تحاول أن تمسك العصا من وسطها فتشتري الوقت وتقدّم “إنجازات قابلة للتسويق” للمانحين، لكنها تعرف أن أي زلزال إقليمي سيقلب الأولويات من ملف السلاح إلى ملف البقاء. والحزب يحاول أن يُبقي الداخل مضبوطاً وأن يمنع اكتمال الاستنزاف، لكنه يعرف أن إسرائيل تعمل على تحويل الانتظار إلى ثغرة. وبين الاثنين، انتخاباتٌ تُراد وتُخشى، ومخيماتٌ قد تُستخدم كأداة قياس، وجيشٌ يُطلب منه أن ينجز ما يفوق قدرة السياسة على تحمّل كلفته.


لبنان، مرة أخرى، ليس في قلب القرار بل في قلب الارتداد. بلدٌ يتلقى الرسائل أكثر مما يرسلها، ويُدار بتوقيت الآخرين أكثر مما يدير توقيته. وما لم ينجح في تحويل الوقت المستعار إلى خطة سيادية قابلة للحياة—سياسياً وأمنياً وإدارياً—سيبقى على الرفّ: دولةٌ تشتري الوقت… فيما الوقت نفسه يقترب من نهايته.