عملياً، لا تُجرى الانتخابات لأن الدستور يقول ذلك… بل لأن ميزان القوى يسمح.
لذا، يُرفع العاشر من أيّار كـ“قدّاسٍ دستوري” لا يجوز المسّ به: الرؤساء الثلاثة، الكتل الكبرى، زعماء الأحزاب… الجميع يردّد العبارة نفسها كأنها تعويذة ضدّ التأجيل. لكن خلف هذا الجزم العلني، ثمّة حقيقة أكثر فجاجة: الموعد ثابتٌ في التصريحات… ومرنٌ في الكواليس.
تُحضَّر المعركة على الورق، وتُحضَّر معها—بهدوء—الأبواب الخلفية: ثغرات تقنية، تعاميم، دوائر ناقصة، وعقوبات تتحوّل إلى مطبّات قابلة للاستثمار. وفي بلدٍ يبرع في تحويل “التفاصيل الإجرائية” إلى قنابل سياسية، يصبح السؤال الحقيقي: هل نحن أمام انتخابات تُستولد فعلاً… أم أمام انتخابات تُعلَّق حتى إشعار آخر؟


الجميع جاهز… كي لا يُقال إنه غير جاهز

الخطاب الداخلي يصرّ على “حتمية” الاستحقاق، والصالونات تكرّر، والكتل الكبرى تميل—على الأقل حتى الآن—إلى خوضه في موعده. الأحزاب بدأت عملياً تحريك ماكينة الأسماء، دفع مرشحين إلى الواجهة، وترتيب التحالفات على دفعات، على أن تُستكمل اللوائح—نظرياً—في النصف الأول من الشهر المقبل، قبل إقفال باب الترشيح في العاشر من آذار.

لكن هذه السرعة لا تعني أن القرار بات مقفلاً. بل تعني شيئاً أكثر لبنانية: الجميع يريد أن يبدو على أهبة المعركة… حتى لو كانت المعركة نفسها قابلة للتأجيل. فالتحضير هنا ليس دليلاً على الحسم، بل على الاستعداد لكل الاحتمالات.


لماذا المخاطرة إذا كانت النتيجة “معروفة الشكل”؟

ثمّة سؤال يضغط من تحت الطاولة: ماذا لو لم تُبدّل الانتخابات شيئاً جوهرياً؟
إذا كان الاستحقاق لن يقلب موازين القوى، فما جدواه سوى إعادة إنتاج “المنظومة” ذاتها مع بعض التجميل؟ وإذا كان سيقود بسرعة إلى نزاع جديد حول تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات، فلماذا إدخال حكومة نواف سلام—التي تُقدَّم كحكومة تحظى برضى خارجي واضح—في فتحة تصريف الأعمال؟
هنا يتراجع منطق “الالتزام الدستوري” لصالح منطق “إدارة المخاطر”: لا أحد يريد أن يفتح باب شللٍ سياسي جديد إذا كانت الحصيلة متواضعة.


التأجيل… كخدمة انتخابية لا كفضيحة

لذلك بالذات، لا يبدو احتمال التأجيل—إن حصل—كأنه انهيار للحماسة السياسية. بالعكس، قد يُسوّق كـ“ترتيب ضروري”: وقت إضافي لتنظيم الحملات، إعادة قولبة التحالفات، تسويق المرشحين على نحو أكثر منهجية، وإدارة المعركة ببرودة حسابية.
بكلام أوضح: التأجيل، عند بعض القوى، ليس هروباً… بل تمديداً لملعب اللعب.


مرشحون تحت العقوبات: الحساب المصرفي يتحوّل إلى سلاح

ومن السياسة إلى “اللغم التقني” الأكثر حساسية هذا العام: المرشحون المدرجون على لوائح العقوبات.
التعميم الأخير الصادر عن مصرف لبنان لتنظيم فتح حسابات للمرشحين يضع هذه الفئة أمام مأزق عملي: كيف يفتح مرشحٌ معاقَب حساباً مصرفياً مخصصاً للإنفاق الانتخابي؟
الإشكال ليس جديداً، لكنه اليوم أشد توتراً مع تشددٍ ظاهر من جهات رسمية، ومع رقابة أميركية دقيقة على المشهد اللبناني.

لكن القانون ترك باباً للهروب—أو للمعالجة—عبر المادة 59 من قانون الانتخاب التي تتيح لمن يتعذر عليه فتح حساب مصرفي لأي سبب أن يودع أموال حملته في صندوق خاص لدى وزارة المالية. هذا المخرج استُخدم في انتخابات 2022، والمرجّح تكراره اليوم.
النتيجة: العقوبات لا تلغي الترشيح حكماً… لكنها تخلق مسارات موازية قابلة للتسييس بحسب اللحظة.


تعميم وزارة العدل: صرامة على الورق… ومرونة “عند اللزوم”

العقدة الثانية تتصل بتعميم لوزارة العدل يمنع تنظيم وكالات للمدرجين على لوائح العقوبات أو لمن ينوب عنهم في معاملات بيع وشراء وإيجار. قانونياً، الجدل قائم حول مدى استناده إلى نص تشريعي صريح. عملياً، مفاعيله بقيت محدودة في ما يتعلق بإجراءات الترشيح، لأن الوكالات المطلوبة لاستكمال الأوراق الانتخابية غالباً لا تنطوي على أعباء مالية مباشرة، ما سمح بتجاوز العائق الشكلي.

الأهم: بدا واضحاً أن ثمة قراراً سياسياً داخلياً يرسم “خطاً أحمر” أمام خلق تشويش تقني يتحول إلى ذريعة تعطيل، وتفادياً لاستفزاز قوى قد تعتبر نفسها مستهدفة إذا طُبق التعميم بتفسير متشدد.
بمعنى آخر: التعميم موجود… لكن تطبيقه يُدار بميزان السياسة.


حتى الموقوف يمكن أن يترشح

في هذا السياق، تُستعاد أمثلة تؤكد كيف يستطيع المرشح، ولو كان خاضعاً لعقوبات أو مثيراً للجدل، أن يجد منفذاً قانونياً—أو شبه قانوني—للمضي في المعركة. ويُطرح مثال الموقوف نوح زعيتر بوصفه حالة تشير إلى أن باب الترشح يبقى مفتوحاً ما لم تصدر أحكام قضائية مبرمة تمنع ذلك.
هكذا، يُفهم لماذا تتحول “التقنيات” إلى ساحات: لأنها تسمح بتمرير ما لا يُقال علناً.


الدائرة 16: موجودة في القانون… غائبة في الدولة

أما العقدة الأكثر فوضى فهي الدائرة 16 المرتبطة بالاقتراع في الخارج. مرسوم دعوة الهيئات الناخبة فتح الباب على أساس القانون النافذ بدوائره الست عشرة، لكن التطبيق اصطدم بغياب المراسيم التطبيقية الخاصة بهذه الدائرة وبعجز قانوني يحول دون نشر لوائح المسجلين للاقتراع في الخارج.
الدائرة موجودة في النص… لكنها تفتقر إلى الآليات التي تجعلها قابلة للتطبيق: آلية الاقتراع، توزيع الأقلام، إدارة الإنفاق، احتساب الأصوات… إلخ.

وبحسب ما يُنقل عن وزير الداخلية، هو التزم النص حرفياً، معتبراً أنه يطبّق القانون لا يقرر سياسياً. لكن الوزارة رفضت تسجيل ترشيح رجل الأعمال عباس فواز عن الدائرة 16، ومن المتوقع اعتماد الموقف نفسه مع أي ترشيح مماثل. وهذا يفتح الباب أمام طعن أمام مجلس شورى الدولة استناداً إلى الفقرة السادسة من المادة 46 التي تمنح المرشح حق المراجعة ضمن مهلة محددة، على أن يفصل المجلس خلال ثلاثة أيام بقرار نهائي غير قابل للمراجعة.

غير أن السؤال القاسي يبقى: حتى لو قُدمت المراجعات، هل تُنتج مفعولاً فورياً—كوقف التنفيذ—في ظل المناخ السياسي القائم؟ أم تتحول إلى إجراءات شكلية لا تُبت قبل مرور الاستحقاق، فتفقد جدواها العملية؟


هل تصبح الدائرة 16 “فتيلة” لتطيير الانتخابات؟

في مجالس خاصة، يذهب بعض النواب إلى حد القول إن الترشح عن الدائرة 16 قد يتحول إلى مدخل لتعطيل الانتخابات برمتها. فرضية تبقى نظرية ما لم تتوفر إرادة سياسية بذلك. لكن في لبنان، الإرادة السياسية كثيراً ما تتقدم على النصوص: تُعطل مادة بالصمت، تُمرر ثغرة بالتوافق الضمني، وتُدار الدولة كما لو أن القانون مجرد اقتراح.


المفارقة أن اللبنانيين مدعوون للاقتراع في ست عشرة دائرة، فيما الدائرة الأخيرة أشبه بمولود ناقص بلا مراسيم تنفيذية. ومع ذلك يمضي المسار كأن التوافق السياسي قادر وحده على سد الثغرات، وتوفير “شروط القانون” من دون قانون.
وهكذا، بدل تعديل النصوص داخل البرلمان، يجري تعديلها على الأرض: كحال تمرير ترتيبات تصويت المغتربين في الداخل رغم تسجيلهم في الخارج، من دون مسوغ واضح… لأن العرف السياسي هنا غالباً أقوى من المادة المكتوبة.

الخلاصة: العاشر من أيار ليس مجرد موعد. إنه اختبار لمن يحكم لبنان فعلاً: الدستور… أم التوازنات؟
والأخطر أن اللعبة لا تحتاج قراراً صريحاً بالتأجيل. يكفي أن تتكاثر “التفاصيل” حتى يتحول الموعد من يقين إلى احتمال، ومن محطة دستورية إلى ورقة تفاوض في آخر الليل.