ثمّة لحظةٌ ما، لا يُقاس فيها التصعيد بارتفاع نبرة التصريحات ولا بعدد السفن والطائرات فقط، بل بما إذا كان “التهديد” قد تحوّل إلى جدول عمل. هذا بالضبط ما توحي به الصورة التي تتشكّل منذ منتصف شباط: المنطقة لا تعيش مجرّد جولة ضغط تفاوضي جديدة بين واشنطن وطهران، بل تدخل طوراً تتداخل فيه المهَل السياسية القصيرة مع استعدادات عملياتية تُدار بصمت، وتُترجم على الأرض مؤشرات ملموسة، من زيادة وتيرة التحركات العسكرية إلى إعادة ترتيب منظومات الدفاع والإنذار في الشرق الأوسط.
في قلب هذا الطور الجديد، يقف عنصرٌ واحد كأنه ساعة الرمل التي تُقاس بها النيات: المهلة. الولايات المتحدة لا تُلوّح بحرب طويلة الرواية كما فعلت في العراق عام 2003، ولا تُعدّ المسرح السياسي التقليدي لحشد الرأي العام وإنتاج “شرعية” مفصلة للقتال. على العكس، تبدو إدارة دونالد ترامب وكأنها تفضّل نهجاً يُجيد إدارة الغموض: ضغطٌ متدرّج، رسائل ردعية مكثّفة، وسقفٌ زمني قصير يُلقى أمام طهران كشرط تفاوضي قائم بذاته. في هذا الإطار، لم تعد مهلة “الأسبوعين” التي انتظرتها واشنطن من إيران لتقديم أجوبة على الطروحات مجرّد تفصيل إجرائي؛ إنها أداة خنق زمنية، تُراهن عليها الإدارة الأميركية لإجبار طهران على تقديم تنازلات لا تمنحها عادةً مفاوضات مفتوحة بلا مواعيد نهائية.
واللافت أن بعض التسريبات يذهب أبعد: الحديث يدور عن أن المهلة قد تكون أقصر من خمسة عشر يوماً، على وقع اقتراب استحقاق سياسي داخلي أميركي يتمثل بخطاب “حالة الاتحاد” المرتقب مساء الثلاثاء المقبل. وهنا يتقاطع الداخل بالخارج: كلما اقتربت مواعيد واشنطن الداخلية، تقلّ مساحة المناورة الزمنية في التفاوض، ويزداد الإغراء بتصعيد محسوب يُنتج صورة “حسم” بدل صورة “إطالة”.
داخل هذا الإيقاع الزمني المضغوط، يظهر خلافٌ ليس تقنياً بل جوهرياً: كيف تُعرَّف “الصفقة” أصلاً؟ دبلوماسيون نصحوا المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بفصل الملف النووي عن ملفات أخرى مثل الصواريخ الباليستية ودعم طهران لحلفائها في المنطقة، وقد قيل إنه وافق على هذا المنطق. لكن في المقابل، ترد إشارات إلى أن ويتكوف نفسه حاول في محطات تفاوضية، ومنها جنيف، إعادة ربط الملفات ببعضها… أي تحويل التفاوض إلى “سلّة كاملة”. وهذه النقطة بالذات هي العقدة: إيران ترى أن قبول سلّة شاملة من موقع ضغط يعني تنازلاً وجودياً قد تكون كلفته الاستراتيجية أفدح من كلفة مواجهة عسكرية، مهما اتسعت.
لكن المهلة وحدها لا تكفي لتفسير التحول. ما يُضفي على المشهد ثِقله هو انتقال النقاش الأميركي من لغة “التهديد” إلى لغة “التحضير”. تقارير نُسبت إلى مسؤولين أميركيين تتحدث عن أن التخطيط لضربة محتملة بلغ مراحل متقدمة، وأن الرئيس الأميركي لم يُخفِ، حين سُئل عن عملية عسكرية محدودة للضغط على إيران، أنه “يدرس ذلك”. وفي موازاة هذه الإشارات، تُروى تفاصيل عن أن القرار لم يُحسم نهائياً بعد، لا لجهة تنفيذ الضربة ولا لجهة تحديد الأهداف الدقيقة داخل إيران إذا اتُخذ القرار، مع تلميحات إلى إمكان حصول هجوم في وقت قريب جداً—حتى في نهاية الأسبوع—وأن يتركّز أي تحرك على البرنامج النووي ومنظومة الصواريخ الباليستية.
هنا يبرز الفارق الأشد دلالة عن نموذج 2003: واشنطن اليوم لا تُقدّم “قصة حرب” كاملة للرأي العام، ولا ترسم أهدافاً نهائية معلنة بوضوح. وهذا الغموض ليس ضعفاً بالضرورة؛ بل قد يكون جزءاً من أسلوب تفاوضي يفضّل إبقاء كل الأبواب مفتوحة في آن واحد: التسوية تحت الضغط، أو الضربة تحت عنوان الردع. لكن الغموض نفسه يطرح السؤال الذي يُربك الحسابات: ما هو الهدف النهائي فعلاً؟ منع إيران من امتلاك سلاح نووي؟ تقليص ترسانتها الصاروخية؟ دفع اضطرابات الداخل نحو إضعاف النظام؟ أم إعادة رسم نفوذ إيران الإقليمي؟ تعدد الأهداف يخلق مشكلة إضافية: كل هدفٍ يتطلّب أدوات مختلفة، ونهايات مختلفة، وأثماناً مختلفة.
وعلى الضفة الأخرى، لا تبدو طهران مستعدّة لأن تُعامل هذه المهلة باعتبارها “مهلة حسن نية”. الرسالة الإيرانية تقوم على رفض التفاوض من موقع ضعف، مع تلويح واضح بأن أي هجوم سيُقابَل برد، ومع قناعة بأن الانصياع لصفقة “سلّة كاملة” سيضعها أمام نتائج أسوأ من نتائج حرب محدودة أو حتى واسعة. بهذا المعنى، يتحرك المسار العسكري بوتيرة قد لا تكون مرهونة بالكامل بمآلات التفاوض، لأن التفاوض نفسه—إذا تحوّل إلى سلّة شاملة—يصبح شبه مستحيل في وقت قصير.
في هذه اللحظة، تدخل إسرائيل إلى الصورة لا كطرفٍ ينتظر ارتدادات الأزمة، بل كفاعلٍ أساسي في رسم مسارها. ما يصدر من تل أبيب يوحي بأن الهجوم الأميركي على إيران يُنظر إليه كـ“مسألة وقت”، مع التحفظ على أن الأمر لم يُعطَ بعد، أي أن التنفيذ ليس “غداً صباحاً” بالضرورة. إلا أن الأهم هو ما يتسرّب عن مستوى تنسيق وثيق بين مؤسسات القرار في “الكرياه” وبين البنتاغون والجيش الأميركي: إسرائيل تريد أن تُثبت لواشنطن أن الصواريخ الإيرانية ليست “مشكلة إسرائيلية” فحسب، بل تهديد مباشر للقواعد الأميركية وحلفاء واشنطن وحرية عملها في الشرق الأوسط. وفي خلفية هذا الجهد، يظهر منطقٌ ضاغط: حرب قصيرة قد لا تُنتج هدفاً يُذكر، بينما تجاهل التهديد الصاروخي، وفق القراءة الإسرائيلية، لم يعد خياراً قابلاً للإدارة.
ولكي تكتمل صورة “التهديد”، تُدفع إلى الواجهة تقديرات إسرائيلية عن وتيرة الإنتاج الصاروخي الإيراني: حديثٌ عن أن إيران تعمل على إنتاج ما لا يقل عن خمسة آلاف صاروخ باليستي بحلول نهاية 2027، وأن معدل الإنتاج قد يقارب مئة صاروخ شهرياً. هذه الأرقام—بصرف النظر عن الجدل الذي يرافقها—تُستخدم لتبرير شيء واحد: حتى مع تطوير طبقات الدفاع والإنذار، لا وجود لحلٍّ محكم يقضي على الخطر بالكامل. أي أن أي مواجهة ستجعل “الداخل” جزءاً من المعركة، لا مجرد خلفية لها.
لذلك، لا تُقرأ الاستعدادات الإسرائيلية كإجراءات شكلية. الحديث يدور عن حالة “خشية من تصعيد كبير” تدفع المنظومة الأمنية للاستعداد لوابل صاروخي متعدد الجبهات. في هذا الإطار، تُروى تفاصيل عن تقييمات موقف واسعة للجبهة الداخلية شارك فيها قادة مناطق ومسؤولون كبار ورؤساء المنظومة الصحية ومديرو مستشفيات وصناديق مرضى ومنظمات طوارئ وإنقاذ، إضافة إلى مسؤولي بنى تحتية استراتيجية. الهدف واضح: كيف تستمر مؤسسات الدولة في العمل تحت ضغط هجمات صاروخية باليستية واسعة؟ وعلى المسار نفسه، يستعد سلاح الجو الإسرائيلي لسيناريوات متعددة عبر إجراءات لحماية القواعد والمنظومات التكنولوجية، لضمان الجاهزية للرد والدفاع في وقت القصف.
وفي موازاة ذلك، يتحرك الطرف الأميركي أيضاً على خط “التحصين” الإقليمي. خلال الأسبوع الأخير، سُجّل ارتفاع في عدد طائرات النقل التي هبطت في قواعد بالشرق الأوسط، في سياق نقل أنظمة دفاع صاروخي ورادارات وتقنيات إنذار مبكر. وتُذكر ضمن التعزيزات نشر بطاريات «ثاد» و«باتريوت»، وتفعيل منظومات «إيجيس» على سفن بحرية، وربط رادارات متقدمة لتحسين قدرات الكشف وتقصير زمن الإنذار ورفع كفاءة الاعتراض، خصوصاً إذا تحققت سيناريوات متطرفة. كما تتسع حلقات التعاون التكنولوجي والعملياتي بين جيش الاحتلال و«القيادة المركزية الأميركية»، بما يجعل الاستعدادات دفاعية وهجومية في آنٍ واحد: دفاعٌ ضد الرد المتوقع، وإعدادٌ لمساحة عمل أوسع إذا بدأ الاشتباك.
كل ذلك يعيدنا إلى السؤال الأكبر: ليس فقط هل الضربة ممكنة؟ بل: ماذا بعدها؟ التجارب الحديثة لا تمنح اليقين بأن الضربات الجوية وحدها تُحدث تغييراً سياسياً داخلياً حاسماً ما لم تترافق مع مسار سياسي واضح أو مع تحولات داخلية فاصلة. والاستثناء الذي يُستشهد به عادة (كوسوفو 1999) يبقى خارج القاعدة العامة. أما الخيار البري الطويل—الذي يصنع “نهاية” واضحة—فلا يبدو مطروحاً حتى الآن، ما يعني أن “اليوم التالي” قد يكون ساحة مفتوحة على ردود وتدحرجات، لا على حسم سريع.
ثم تأتي الحسابات الداخلية لتضيف وقوداً إلى التعقيد: ترامب يواجه تحديات سياسية تتصل بتراجع شعبيته قبيل الانتخابات النصفية، ونتنياهو قد يرى في أجواء التوتر فرصة لتعزيز موقعه قبل استحقاقات انتخابية تقترب بدورها. وعندما تتحول الأزمات الخارجية إلى أدوات داخلية، يصبح سقف المخاطرة أعلى، لأن القرار لا يُتخذ فقط وفق منطق الردع بل وفق منطق “الربح السياسي” أيضاً.
تتكوّن أمامنا صورة متشابكة: مهلة تضيق، مفاوضات تُدفع نحو سلّة كاملة، استعدادات عملياتية تتقدم، إسرائيل تتحرك كجزء من المعادلة لا كمتلقٍّ للارتدادات، والولايات المتحدة تُحصّن الإقليم دفاعياً بما يوحي بأنها لا تستبعد انفتاح المواجهة. ومع أن المؤشرات لا تقول حتى الآن إن قرار الحرب اتُخذ بصورة نهائية، فإن مستوى الحشد واللغة المتبادلة يضع المنطقة عند اختبار بالغ الحساسية: هل نرى ذروة ضغطٍ تفاوضي تُفضي إلى تسوية قسرية… أم بداية مسار مواجهة يصبح التراجع عنه أصعب من الذهاب إليه؟


