لم تهدأ بعد ضجّة كلام السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، حين ألبس التوسع الإسرائيلي ثوب “الحقّ التوراتي” وفتَح شهية الجغرافيا على امتدادٍ يتجاوز حدود الدولة إلى جزء كبير من الشرق الأوسط، حتى خرج بنيامين نتنياهو ليضيف طبقة أكثر فظاظة على المشهد: حكومة تعمل على منظومة تحالفات جديدة داخل الإقليم أو على أطرافه، في مواجهة “محاور راديكالية” شيعية وسنّية، كما قال.
الرسالة مزدوجة وواضحة: شرعنةٌ عقائدية للتمدد، ثم ترجمةٌ سياسية عبر أحلافٍ تُعاد خياطتها… وكل ذلك تحت سقف أجواء إقليمية تتكاثف فيها الإشارات عن اقتراب مواجهة أميركية جديدة مع إيران. وفي هذا الجو الملبّد، يجد لبنان نفسه واقفاً على حافة استحقاقين لا يقلّان خطورة عن بعضهما: ملف دعم الجيش ومعركة الانتخابات النيابية، فيما “الخيارات” تُصاغ خارج الحدود بقدر ما تُساوَم داخلها.
مؤتمر القاهرة: دعمٌ بلا وزن… قبل أن يبدأ
في الاستحقاق الأول، تُنقل معطيات توحي بأن المؤتمر التحضيري لدعم الجيش اللبناني في مصر قد فقد زخمه حتى قبل أن ينعقد. إذ تشير معلومات متداولة إلى اعتذار سفراء دول أساسية عن المشاركة، والاكتفاء بإرسال ممثلين، مع بروز اعتذارات لافتة—في الشكل والدلالة—لسفراء الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية، على أن تُحدّد واشنطن لاحقاً اسم ممثلها.
في السياسة، التفاصيل ليست تفصيلاً: عندما تنخفض رتبة التمثيل لدى الأطراف الأكثر تأثيراً، يصبح السؤال تلقائياً: هل المقصود تمرير لقاءٍ بروتوكولي أم إطلاق مسارٍ جدي؟ والأخطر أنّ هذا النوع من الغياب قد يدفع آخرين إلى الإحجام أو تخفيض حضورهم، فتخرج “التحضيرات” بنتائج رمادية لا تبني عليها مؤتمرات كبرى.
باريس على المحك… وخطة “شمال الليطاني” تحت الاختبار
هذا الارتجاج ينعكس فوراً على المؤتمر الأساس المقرر في باريس في 5 آذار. فالقصة لا تتعلق بمكان الاجتماع بل برسالته: إذا كان الغياب الأميركي–السعودي تحديداً يحمل مؤشراً سلبياً، فهو يُقرأ—وفق ما يُتداول—كعلامة على مستوى الرضى عن المسار اللبناني عموماً، وعن خطة الجيش شمال الليطاني خصوصاً، وهي نقطة يُنظر إليها كشرطٍ مفصلي لأي دعمٍ مستقبلي، ولا سيما من الرياض.
وبذلك، يتحول “دعم الجيش” من ملفٍ يفترض أن يكون جامعاً إلى ورقة شروط تُدار بميزان الضغوط: من يرفع مستوى التمثيل يرسل ضوءاً أخضر، ومن يهبطه يترك رسالة باردة: قبل المال… نريد التزاماً سياسياً وإجرائياً.
بري يكشف ما يُقال همساً: “الخماسية تريد التأجيل”
داخلياً، خرج رئيس مجلس النواب نبيه بري بكلامٍ لا يُقال عادةً بهذه المباشرة: سفراء “الخماسية” أبلغوه تفضيلهم تأجيل الانتخابات. ثم سارع إلى تثبيت موقفٍ مضاد: هو ماضٍ في خوضها ولا يوافق على التأجيل “تقنياً” ولا على التمديد للمجلس.
لكن مجرد انتقال فكرة التأجيل من الغرف المغلقة إلى العلن يعني أنها لم تعد شائعة عابرة، بل صارت اقتراحاً مطروحاً على الطاولة. وفي موازاة ذلك، تتردد في الأوساط الدبلوماسية إشارات عن رسالة سعودية تختصر الأولويات على نحو صادم: تأجيل الانتخابات أولاً… وليس مؤتمر دعم الجيش. أما “المخرج” الذي يجعل التأجيل قابلاً للتسويق داخلياً، فيُقال إنه يحتاج إلى “تخريجة” حكومية تُدار بحسابات بري وشروطه السياسية.
الدائرة 16: ثغرة قانونية تتحول إلى زرّ تفجير
ومن أول “الأبواب” التي قد تُستعمل لتكبير الأزمة: الدائرة 16 الخاصة بالمغتربين. إذ يبرز حديث عن نية المرشح عن مقاعد المغتربين عباس فواز تقديم طعن، بعدما رفضت وزارة الداخلية أوراق ترشيحه على خلفية غياب الآلية الإدارية والتنفيذية لتطبيق ما نص عليه القانون في هذا البند.
المفارقة أن الدائرة موجودة في النص… لكنها ناقصة في التنفيذ. وهذه هي الوصفة اللبنانية المثالية لتحويل القانون إلى ساحة اشتباك: مادة بلا مراسيم، ونص بلا أدوات، وحق بلا طريق واضح للتطبيق. عندها يصبح الطعن ليس مجرد إجراء، بل اختباراً: هل تُعالج الثغرة بسرعة لحماية الاستحقاق؟ أم تُترك لتكبر حتى تتحول إلى ذريعة ذهبية للتأجيل؟
“الميكانيزم”: هل يتحول إلى غرفة عسكرية… وطاولة مدنية لاحقاً؟
بالتوازي، يعود ملف لجنة “الميكانيزم” إلى الواجهة مع اجتماعٍ مرتقب في 25 شباط بعد فترة من التوقف. لكن العودة لا تأتي كاستئناف طبيعي للعمل، بل وسط ضبابية وانتقادات تتعلق بطبيعة اللجنة ودورها: هل ستنعقد على مستوى العسكريين فقط؟ وهل يُستبعد الجانب المدني؟ وما هو الإطار المدني البديل إن وُجد؟
ثمّة خشية واضحة من أن يتحول مسار مراقبة وقف الأعمال العدائية إلى لجنة عسكرية صِرفة، بينما يُرحَّل “الشق المدني” إلى طاولة أخرى قد تُفصَّل لاحقاً وفق شروط مختلفة. وهنا يطلّ هاجس سياسي شديد الحساسية: أن ينتهي الأمر بدفع لبنان نحو صيغة تفاوض مدنية تُفرض كمدخلٍ لإعادة هندسة العلاقة—أو الاشتباك—مع إسرائيل، بما يفتح الباب أمام عراقيل داخلية وصدامات حول من يفاوض ولماذا وعلى أي أساس.
فياض: “اجتماعات مشبوهة… والتنازلات تُغري إسرائيل”
في قلب هذا السجال، جاء موقف النائب علي فياض هجومياً تجاه لجنة “الميكانيزم”، معتبراً أن اجتماعاتها مشبوهة وفارغة ولا تقدم أي ضمانات للبنان، خصوصاً مع ما وصفه بتصعيد إسرائيلي مفتوح بعد “مجزرة البقاع”. وفي مقاربته، لم تعد بيانات الإدانة تردع، ولم تعد سياسة “التنازلات” تنتج إلا مزيداً من التمادي.
وتزداد حدّة هذا الموقف حين يُقارن الكلام بالوقائع: خروقات متكررة جنوباً، غارات، توغل إلى بلدات وقرى، وعمليات خطف كما في قضية عطوي عطوي، وتفجير منازل… أي أن اللجنة التي يفترض أن تكون مظلة “تهدئة” تبدو عاجزة عن كبح الوقائع على الأرض، فتتآكل شرعيتها ووظيفتها معاً.
هكذا يتجمع المشهد اللبناني في صورة واحدة: منطقة تُعاد صياغتها بتحالفاتٍ وخطاباتٍ توسعية، ولبنان يُدفع إلى اختبارين في وقتٍ واحد—دعم الجيش الذي يفقد زخمه قبل أن يبدأ، وانتخابات تُحاصرها إشارات التأجيل، ولجنة “ميكانيزم” يتراجع تأثيرها كلما ارتفع منسوب الخروقات الإسرائيلية.
في النهاية، لا يبدو لبنان أمام استحقاقات طبيعية بقدر ما يبدو أمام شبكة ضغط:
ضغطٌ خارجي يربط الدعم بشروط، وضغطٌ داخلي يفاوض على التوقيت والمخارج، وبينهما دولة هشّة تحاول أن تمشي على حبلٍ رفيع… فيما الأرض من تحتها تتحرك بسرعة أكبر من قدرتها على القرار.


