لا تبدأ قصة التصعيد من واشنطن وحدها، ولا من طهران وحدها. هذه المرّة، تُفتَح الصفحات من لبنان: ضربةٌ إسرائيلية في بعلبك استهدفت عدداً من مسؤولي حزب الله، قُدِّمت بوصفها حلقةً تشبه—في توقيتها ورسالتها—ضربةً سابقة طالت قادة من “فرقة الرضوان” في الضاحية الجنوبية لبيروت قبل توسّع الحرب على لبنان، وقبل أسبوع من حادثة اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وفق التسلسل المتداول في الرواية السياسية المصاحبة لهذه العمليات. الفارق أن التركيز انتقل الآن إلى البقاع لأنّه، في الحساب الإسرائيلي، الخزان الاستراتيجي للصواريخ الدقيقة والبعيدة المدى لدى الحزب.

هذا التحوّل الميداني لا يُقرأ كحدثٍ معزول، بل كرسالة تمهيدية تتقاطع مع ما كان يُسرَّب إسرائيلياً قبل أيام: أن الشرارة الأولى لأي حرب على إيران قد تنطلق من لبنان عبر استهدافٍ موسّع لحزب الله، بهدف “تحييد” الحزب ومنعه من الانخراط في أي عملية إسناد لطهران إذا ما قررت الولايات المتحدة الانتقال من الضغط إلى الضربة. بالتوازي، تلقّى لبنان رسائل دولية ودبلوماسية تحذّره من الانزلاق إلى مواجهة، مع تلويحٍ بأن إسرائيل قد تذهب إلى عمليات اغتيال تطال مسؤولين عسكريين—وربما سياسيين—ليس فقط لتعديل توازنات الميدان، بل لفرض وقائع سياسية جديدة.

من هنا يبدأ المشهد الحقيقي: ميدانٌ يُجهَّز لتقليل كلفة الضربة الكبرى، وسياسةٌ تُدار بمهل قصيرة وغموض مقصود.


مهلة البيت الأبيض: ضغطٌ بلا رواية… وسقفٌ زمني يضيق

في الاستراتيجيات الأميركية التقليدية، كان الإعداد للحرب يسبقه “إعداد للرأي العام”: رواية واسعة، أهداف واضحة، حملة تبرير، وحشد سياسي وإعلامي. هذا ما سبق غزو العراق عام 2003. أما اليوم، فالصورة مع إيران مختلفة: إدارة دونالد ترامب لا تبدو بصدد إطلاق “قصة حرب” مكتملة، بقدر ما تستخدم الغموض كأداة: ضغطٌ متدرّج، رسائل ردع مكثّفة، ومهلة قصيرة تتحوّل إلى سلاح تفاوضي بحد ذاته.

التسريبات المتزايدة تعكس انتقال النقاش في واشنطن من مستوى التهديد إلى مستوى التحضير. تقارير نسبت إلى مسؤولين أميركيين تفيد بأن التخطيط لضربة محتملة “بلغ مراحل متقدمة”، فيما لم يُخفِ ترامب نفسه—رداً على سؤال عن عملية محدودة للضغط على إيران—أنه “يدرس ذلك”. ومع ذلك، تُنقل أيضاً مؤشرات إلى أن القرار لم يُحسَم بعد، لا لجهة تنفيذ الضربة ولا لجهة تحديد الأهداف الدقيقة داخل إيران إذا اتُّخذ القرار.

الأشد دلالة هنا هو عنصر الوقت: كلامٌ متداول عن إمكان حدوث هجوم أميركي في وقت قريب جداً—حتى مع نهاية الأسبوع—وأن يتركّز على البرنامج النووي الإيراني ومنظومة الصواريخ الباليستية. وفي موازاة ذلك، تُطرح تقديرات عن أن المهلة التي وضعها ترامب لطهران قد تكون أقصر من خمسة عشر يوماً، على خلفية اقتراب خطاب “حالة الاتحاد” الثلاثاء المقبل. باختصار: السياسة الداخلية الأميركية تضغط على ساعة التفاوض.

في هذا الإطار تبرز عقدة إضافية: كيف تُدار الملفات؟ دبلوماسيون إقليميون قيل إنهم نصحوا المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بفصل الملف النووي عن ملفات أخرى كالصواريخ ودعم حلفاء طهران في المنطقة، مع الإشارة إلى أنه وافق على هذا المنطق. لكن في المقابل، تُذكر معطيات تفيد بأنه حاول—في مفاوضات سابقة بينها جنيف—إعادة ربط الملفات في “سلّة واحدة”. وهنا تتقاطع المشكلة الزمنية مع المشكلة الجوهرية: تفاوضٌ قصير لا يحتمل “سلة كاملة”، و”سلة كاملة” لا تقبلها طهران تحت الضغط.


الشروط الأميركية–الإسرائيلية: ما وراء النووي والصواريخ

إذا كان النقاش العلني يدور حول نسبة التخصيب، ومدى الصواريخ، وترتيبات “الضمانات”، فإن ما يرشح عن “الشروط المشتركة” بين واشنطن وتل أبيب—بحسب مصادر دبلوماسية متعددة—يتجاوز التفاصيل التقنية كلها. الفكرة، وفق هذه القراءة، ليست تعديل بندٍ هنا أو رقمٍ هناك، بل دفع إيران إلى تغيير عقيدتها السياسية: اتجاهها تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل والمنطقة.

ومن بين ما يُطرح—وفق ما يتداول في الكواليس—حديثٌ عن اتفاق سلام أو معاهدة عدم اعتداء، إلى جانب التخلي عن المشروع النووي، والتخلي عن الصواريخ البالستية “الكاسرة للتوازن”. ويضاف إلى ذلك عنصر اقتصادي سياسي بالغ الحساسية: فتح إيران على الاستثمارات الخارجية بشكل واسع. وفي هذا التصور، فإن قبول إيران بهذه الحزمة لا يعني فقط تنازلاً أمنياً، بل إحداث “صدمة” داخلية يُعتقد أن أحد مفاعيلها سيكون تغيير النظام بوصفه نتيجة سياسية شبه حتمية.

هنا تتضح طبيعة الاشتباك: ليست صفقة ضبط تسليح فقط، بل محاولة لإعادة تشكيل دولة وموقعها في الإقليم. ولذلك تصبح التسوية الشاملة السريعة شبه مستحيلة، لأن المطلوب—بحسب هذا السقف—أكبر بكثير من قدرة أي نظام على تمريره من دون تفككٍ داخلي.


طهران على خيار الاستنزاف: رفضٌ للشروط… واستعدادٌ لحرب طويلة

في المقابل، يميل رأي قوي داخل إيران إلى رفض الشروط الأميركية رفضاً كاملاً ولو كان ثمن ذلك الحرب. المعادلة التي تُقدّمها طهران لنفسها واضحة: القبول بـ”السلة الكاملة” من موقع ضعف أسوأ من كلفة مواجهةٍ مهما اتسعت. لذلك تتجه الاستعدادات الإيرانية—وفق المعلومات المتداولة—إلى سيناريو مواجهة طويلة، مع حديث عن الاستفادة من تجارب سابقة بينها ما يوصف بـ”حرب الـ12 يوماً”.

وعلى المستوى الداخلي، ينعكس هذا الاستعداد بتشدد تجاه أي تحركات داخلية: توجيهات صارمة من قيادة الحرس الثوري بعدم السماح باضطرابات على الأرض يمكن أن تُستثمر بالتزامن مع ضربة خارجية، سواء لتغيير الوقائع في الشارع أو داخل المؤسسات. هاجس طهران هنا مزدوج: ضربة عسكرية من الخارج، و”تفجير سياسي” من الداخل. ولذلك تُراهن إيران—وفق هذا التصور—على عاملين: أولاً أن واشنطن، وإدارة ترامب تحديداً، لا مصلحة لها في حرب طويلة؛ وثانياً أن طهران تستطيع تحويل أي حرب إلى استنزاف ممتد وتوسيع إقليمي يرفع كلفة المواجهة على الجميع.


إسرائيل ليست “متلقياً”: تنسيق عالٍ… واستعدادات لسيناريو ألف صاروخ

إذا كانت الضربة في بعلبك تحمل معنى “تحييد حزب الله”، فإن تل أبيب تتحرك أيضاً في الصورة الأكبر: إيران نفسها. ما يخرج من الإعلام والدوائر الأمنية الإسرائيلية يوحي بأن الهجوم الأميركي على إيران يُنظر إليه كمجرّد مسألة وقت، مع التحفظ بأن ترامب لم يعطِ الأمر بعد، ما يعني أن التنفيذ ليس “وشيكاً” بالمعنى الزمني المباشر. لكن اللافت هو ما يُنقل عن مستوى تنسيق مرتفع بين “الكرياه” والبنتاغون والجيش الأميركي، مع تأكيد أن التهديد الصاروخي الإيراني لا يخص إسرائيل وحدها، بل يهدد القواعد الأميركية والحلفاء الإقليميين وحرية الحركة الأميركية في الشرق الأوسط.

في هذا المسار، تُذكر أيضاً روايات عن أن مسؤولين عسكريين أميركيين وإسرائيليين—إلى جانب بنيامين نتنياهو—حاولوا إقناع ترامب بأن حرباً قصيرة على إيران لن تحقق أهدافاً تُذكر. إسرائيل، في المقابل، تُظهر حساسية مزدوجة: لا تريد أن تُصوَّر بأنها تجرّ الولايات المتحدة إلى الحرب، لكنها تُصرّ على أن التهديد الصاروخي الإيراني كبير ولا يجوز التعامل معه كملف ثانوي.

وتحت عنوان “التهديد يتضخم”، تُطرح تقديرات إسرائيلية عن أن إيران تخطط لإنتاج آلاف الصواريخ البالستية حتى نهاية 2027، وأن وتيرة الإنتاج قد تصل إلى نحو مئة صاروخ شهرياً. وبغض النظر عن النقاش حول الأرقام، فإن الرسالة الإسرائيلية واحدة: لا توجد مظلة دفاعية محكمة بنسبة 100%. لذلك تُبنى الاستعدادات على فرضية “الوابل”، لا فرضية الضربة المحدودة.


دفاعٌ يسبق الهجوم: «ثاد» و«باتريوت» و«إيجيس»… وشرق أوسط على وضعية الإنذار

هنا يظهر البُعد العملي الذي يتجاوز التصريحات: على الأرض، تُسجَّل حركة تعزز هذا الانطباع بأن المنطقة تنتقل من “ضغط تفاوضي” إلى “استعداد لمواجهة”. خلال الأسبوع الأخير، رُصد ارتفاع في عدد طائرات النقل التي هبطت في قواعد في الشرق الأوسط، لنقل أنظمة دفاع صاروخي ورادارات وتقنيات إنذار مبكر. وتشمل التعزيزات—كما يُتداول—نشر بطاريات «ثاد» و«باتريوت»، وتفعيل منظومات «إيجيس» على سفن، وربط رادارات متقدمة لتحسين قدرات الكشف وتقليص زمن الإنذار ورفع كفاءة الاعتراض، خاصة إذا تحققت سيناريوات متطرفة.

على الجانب الإسرائيلي، تتسع الاستعدادات إلى “الداخل” أيضاً: قيادة الجبهة الداخلية تعقد تقييمات موقف واسعة بمشاركة قادة المناطق ومسؤولين كبار، وحضور رؤساء المنظومة الصحية ومديري المستشفيات وصناديق المرضى ومنظمات الطوارئ والإنقاذ ومسؤولي البنى التحتية الاستراتيجية. المحور: استمرارية الدولة تحت هجوم صاروخي باليستي متعدد الجبهات. وفي الوقت نفسه، يطبق سلاح الجو إجراءات لحماية قواعده ومنظوماته التكنولوجية لضمان الجاهزية الدفاعية والقدرة على الرد أثناء القصف.

الرسالة الكامنة واضحة: إذا كانت واشنطن “تفكر” في الضربة، فهي في الوقت نفسه تُحصّن المسرح الذي سيشهد ردوداً.


ما سيناريو الضربة؟ محدودٌ “متفاهم عليه” أم مفاجآت مفتوحة؟

ورغم كثافة التسريبات، لا توجد صورة حاسمة حول السيناريو الأميركي النهائي. يُقال إن تكرار نموذج كفنـزويلا داخل إيران صعب جداً، لكن التداول قائم بين خيارين كبيرين:

  1. ضربة محدودة تُستخدم لرفع سقف التفاوض ثم الذهاب إلى اتفاق لاحق.
  2. هجوم واسع يستهدف أهدافاً استراتيجية داخل إيران، وقد يترافق—وفق ما تتحدث عنه جهات دبلوماسية—مع عمليات اغتيال تطال مسؤولين وقادة عسكريين لإضعاف القبضة الأمنية وفتح المجال أمام معارضين أو إصلاحيين في الداخل لالتقاط زمام المبادرة.

وتظهر هنا أيضاً روايات عن “مفاجآت” مرتبطة بحجم الاختراقات الأميركية والإسرائيلية داخل إيران، ليس سياسياً فقط بل عسكرياً داخل مؤسسات كالحرس والجيش، مع طرح احتمال تحركات متزامنة مع بدء الضربة. هذه كلها سيناريوات “مُتداولة” أكثر مما هي “مؤكدة”، لكنها تكشف طبيعة الرهان: ليس مجرد تدمير منشأة أو تعطيل برنامج، بل محاولة ضرب بنية السيطرة نفسها.

وفي هذا التصور، تريد واشنطن أن ينعكس أي اتفاق أو ضربة بتغيير وقائع سياسية على مستوى الإقليم: إيران، العراق، لبنان… ودفع الجميع نحو التسليم بشروط ونفوذ إسرائيليين، وفق ما ينسجم—بحسب الطرح المذكور—مع مواقف نُسبت إلى السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاغابي.


السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه: “وماذا بعد؟”

حتى لو وقعت الضربة، تبقى العقدة الكبرى: ما خطة الخروج؟ التجارب الحديثة تقول إن القصف الجوي وحده نادراً ما ينتج تغييراً سياسياً داخلياً حاسماً من دون مسار سياسي واضح أو متغيرات داخلية فاصلة. أما الخيار البري الطويل—الذي يصنع “نهاية” واضحة—فلا يبدو مطروحاً حتى الآن. وهذا يفتح باباً واحداً خطيراً: ضربة بلا نهاية محددة قد تتحول إلى تصعيد متدحرج، وردود متبادلة، واتساع ساحات الاشتباك من إيران إلى لبنان إلى ما حولهما.

وتزداد الصورة تعقيداً حين يدخل عامل السياسة الداخلية: ترامب تحت ضغط الشعبية والاستحقاقات، ونتنياهو قد يجد في أجواء التوتر ما يعزز موقعه قبيل استحقاقات قريبة. حين تتداخل حسابات الداخل مع قرار الحرب، يصبح القرار أكثر قابلية لأن يتحول إلى مقامرة لا إلى “خطة” دقيقة.


من ضربة البقاع إلى المهلة الأميركية القصيرة، ومن “السلة الكاملة” التي تُطلب من طهران إلى منظومات الدفاع التي تُنشر في الإقليم، تتشكل لوحة واحدة: تفاوضٌ يُدار ككمين، وحربٌ تُدار كاحتمال دائم. وليس السؤال الحقيقي: هل ستقع الضربة؟ بل: هل هناك مسار واضح يمنعها من التحول إلى مواجهة شاملة—خصوصاً إذا كان “التحييد” يبدأ من لبنان، و”الضغط” ينتهي في إيران، و”اليوم التالي” بلا سقف؟