من طهران إلى بغداد فبيروت، لم تعد الأزمات تُدار كوقائع محلية، بل كاختبار ولاء شامل: من لا يبدّل اتجاهه يُعاقَب، ومن لا ينخرط يُستنزَف، ومن يعجز عن التكيّف تُفتح عليه أبواب “التغيير”.
لم يعد الوضع يحتمل الترف القديم الذي كان يفصل بين ملف وآخر، وكأن لكل بلد خزانته الخاصة وأزمته المعزولة وسقفه المستقل. ما يجري اليوم هو العكس تماماً: شبكة واحدة تتشابك فيها السياسة بالأمن بالاقتصاد، ويُعاد فيها ترتيب الأولويات على طريقة “السلّة الواحدة”. في هذه المعادلة، لا تُسأل الدول عمّا تريد، بل عمّا إذا كانت مستعدّة لتغيير وجهتها كاملة؛ لا يُناقش الداخل بصفته مرجعاً، بل بوصفه ساحة تنفيذ؛ ولا تُقرأ الاستحقاقات الدستورية كحق طبيعي، بل كأدوات ضغط وإدارة وقت.
العنوان الأميركي المطروح، بصيغته العارية من المجاملات، هو تغيير السلوك والتموضع، لا معالجة العرض. المطلوب ليس هدنة في مكان، ولا تسوية تقنية في مكان آخر، بل تعديل شامل في الخيارات والتحالفات وحتى في معنى “الدولة” داخل كل بلد من البلدان المعنية. وحين يرتفع سقف الخطاب إلى التلويح بتغيير الأنظمة، يصبح ذلك جزءاً من هندسة الترهيب السياسي: رسالة مفادها أن بقاء المنظومات القائمة ليس مضموناً إذا لم تقدّم “البراءة” المطلوبة وتدخل تحت المظلّة الأميركية–الإقليمية بلا شروط.
هنا تحديداً تتقاطع ملفات إيران والعراق ولبنان، لا لأن ظروفها واحدة، بل لأن المقاربة التي تُدار بها باتت واحدة. إيران تُخاطَب بمنطق: إمّا تغيير كامل في السلوك، وإمّا نقل المواجهة إلى مستويات أشدّ. العراق يُدفع إلى خيارات حكم وتوازنات محددة، ومعها شروط استمرار التفاهمات والاتفاقات، وإلا فالعقوبات والضغط والحديث عن فشل التجربة كمدخل للبحث عن “صيغة بديلة”. ولبنان، وإن بدا ملفه أقل صخباً، يُحشر داخل إطار مؤسساتي صارم عنوانه تطبيق اتفاق الطائف كاملاً، من حصر السلاح بيد الدولة إلى إنجاز الاستحقاقات السياسية والدستورية والإصلاحات، مع تلميح واضح: من يتعثر سيُترك للإنهاك، ومن يماطل سيدفع كلفة انهيارات أعمق قد تنتهي إلى انفجار اجتماعي يعيد إنتاج السلطة بطرق لا يملك أحد السيطرة عليها.
ولأن السياسة لا تتحرك بلا نماذج، يُلوَّح في الخلفية بما يشبه “القالب السوري” كنموذج يُراد تعميم روحه على المنطقة: تغيير جذري يطيح مرحلة كاملة، ثم إدخال السلطة الجديدة في مدار يتقاطع مع الولايات المتحدة وحلفائها. سواء اتُّفق على توصيف ما جرى في سوريا أو اختلف، فإن توظيفه كعبرة هو بيت القصيد: المطلوب إقناع العواصم المترددة بأن البديل عن التنازل ليس الجمود، بل انقلاب قواعد اللعبة. وفي هذا المناخ، يتحول “الحفاظ على النظام” إلى صفقة مشروطة: من أراد البقاء عليه أن يدفع ثمن البقاء كاملاً، ومن رفض فليستعد لثمن الرفض كاملاً.
في لبنان، تتجلّى خطورة هذه المقاربة لأنها تُسقط على بلد هشّ منطق الحزم المغلقة. الحديث عن الطائف لم يعد مجرد استعادة لاتفاق تاريخي، بل صار أقرب إلى “برنامج إلزامي” يُطلب تنفيذه دفعة واحدة وتحت ضغط متعدّد الأدوات. المشكلة ليست في بنود الطائف بحد ذاتها، بل في طريقة تقديمها اليوم: بوصفها شرطاً سياسياً وأمنياً ومالياً في آن، وبوصفها معياراً لقياس جدّية الدولة وقدرتها على الإمساك بنفسها. وحين تُدمَج هذه الشروط مع عنوان حصر السلاح، تصبح المعادلة أكثر حدّة: إن لم يتقدّم هذا الملف، فلن يفتح الخارج الأبواب؛ وإن لم تُنجَز الإصلاحات، فلن يأتي المال؛ وإن لم تُحسم الاستحقاقات، فالدولة تُترك لتتعفّن في المراوحة.
من هنا، لم يعد مستغرباً أن يعود الحديث عن تمديد ولاية المجلس النيابي وتأجيل الانتخابات كفكرة تتقدم من الهامش إلى قلب النقاش. التمديد لا يُطرح فقط كحلّ تقني، بل كمظلّة سياسية لمرحلة يُراد لها أن تكون “ورشة مفتوحة” لإقرار قوانين ومراسيم تُقدَّم على أنها التطبيق الكامل للطائف: إلغاء الطائفية السياسية، مجلس نيابي لا طائفي، مجلس شيوخ، لامركزية موسعة، وقانون انتخاب جديد يُستخرج من “روح الاتفاق” لا من نزاعات اللحظة. هكذا يُراد تحويل التمديد إلى مبرّر كبير، لا إلى مخالفة صغيرة؛ إلى عنوان إصلاحي فضفاض، لا إلى قرار تأجيل يلامس جوهر الشرعية.
غير أن هذا المسار، مهما لُفّ بورق دستوري، يحمل في داخله مفارقة قاتلة: كيف يُطلب من تركيبة سياسية قائمة، تشكّل جزءاً من المأزق، أن تقود وحدها مشروعاً يعيد تعريف النظام؟ وكيف تُقدَّم الانتخابات على أنها تفصيل يمكن تأجيله، في بلد تُستعمل فيه صناديق الاقتراع كآخر قناع للشرعية؟ ثم إن تبرير التأجيل بأن الانتخابات لن تغيّر شيئاً يتحول إلى اعتراف ضمني بفشل الحياة السياسية، لا إلى سبب منطقي لتعليقها. فإذا كانت لا تغيّر، فلماذا الخوف منها؟ وإذا كان المطلوب تغييراً فعلياً، فلماذا يُدار بلا تفويض واضح ولا محاسبة ولا ميزان قوى جديد؟
الأخطر أن التمديد، كما يُتداول، لا يقف وحده، بل يُنسج حوله منطق مقايضة كاملة تربط السياسة بالمال. تُطرح تسوية تُمسك بالمجلس والحكومة معاً لتأمين “استقرار قرار” يمرّر الإجراءات الصعبة المرتبطة بصندوق النقد والإصلاحات المالية وإعادة هيكلة المصارف ومعالجة الفجوة المالية. في هذا الإطار، يصبح بقاء الحكومة جزءاً من شبكة حماية متبادلة: الحكومة محمية كي تُنفّذ، والمجلس مُمدَّد له كي يُشرّع، والناس تُطلب منها الطاعة لأن البلد “لا يحتمل الفراغ”. وبين الخوف من الشارع والخوف من الخارج، تُغلق الدائرة على اللبنانيين كأنهم مجرّد تفصيل في معركة شرعية لا تُدار لصالحهم.
وتتسرب، في موازاة ذلك، أجواء دبلوماسية تفيد بأن الأولوية الدولية في هذه المرحلة ليست للمنافسة الانتخابية ولا لتجميل الديمقراطية، بل لحسم ملف السلاح وحصره بيد الدولة كشرط سابق لأي مسار. وعندما تصبح هذه الأولوية موضع تقاطع بين أكثر من طرف خارجي، يتبدّى اتجاه عام: لبنان مطلوب منه أن يقدّم “علامة التزام” أولاً، ثم يُسمح له بإعادة تشغيل السياسة لاحقاً. السياسة هنا لا تُعامل كحق، بل كجائزة.
لبنان إذاً ليس أمام نقاش داخلي هادئ حول موعد انتخابات أو شكل قانون، بل أمام لحظة ضغط تُراد لها أن تعيد تشكيل الدولة من أعلى، أو أن تتركها تتآكل من أسفل. إما أن تنخرط القوى اللبنانية في تنفيذ حزمة الطائف وحصر السلاح والإصلاحات وفق إيقاع مفروض، وإما أن تُترك البلاد لمزيد من الانهيارات التي تُنضج انفجارات اجتماعية، وعندها يصبح “تغيير التركيبة” نتيجة طبيعية لا مؤامرة معلنة. في الحالتين، البلد يُساق إلى قرار كبير: طائف يُنفَّذ كبرنامج إلزامي تحت الضغط، أو نظام يتغيّر لأن الانهيار لا يترك شيئاً على حاله.
لم يعد لبنان يملك ترف الوقت ولا ترف المناورة. كل محاولة لشراء “وقت إضافي” عبر تمديد أو تأجيل قد تتحول، في منطق الانهيار، إلى وقت ضائع يسرّع السقوط بدل أن يمنعه. والذين يراهنون على أن الخارج سيكتفي بالضغط دون أن يدفع إلى النهاية يتناسون أن السياسة حين تُبنى على فكرة “السلوك أو السقوط”، لا تترك للرمادي مساحة آمنة.


