كان يمكن للبنانيين أن يتعاملوا مع التصعيد الإقليمي بوصفه موجة تأتي وتذهب، تترك ارتداداتها على الاقتصاد والسياسة والأمن، لكنها لا تعيد رسم المشهد من جذوره في كل مرة. اليوم تبدو الصورة مختلفة. فالتطورات المتسارعة على خط إيران لا تُقرأ في بيروت على أنها خبر خارجي فحسب، بل كأنها نبضٌ إضافي يُسمع في الداخل، ويحرّك القلق العام ويضغط على الحسابات السياسية والأمنية. والسبب الأساسي، أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع الجبهتين الإيرانية واللبنانية كملفين منفصلين، بل كمسارين متلازمين في أي مواجهة كبرى محتملة، وهو ربطٌ لا يقف عند حدود التحليل العسكري، بل يُترجم عملياً في السلوك والتهديدات والاستعدادات.
هذا الربط لا ينعكس فقط في مقاربة تل أبيب، بل يتغلغل أيضاً في وعي شريحة واسعة من اللبنانيين الذين صاروا يربطون مصير البلاد بمآلات المواجهة المرتقبة هناك. كأن لبنان، مرة أخرى، يُسحب من منطق الدولة التي تبحث عن مخارج لأزماتها، إلى منطق الساحة التي تُختبر فيها الرسائل وتُدفع فيها الفواتير.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى حادثة المسيّرة التي حلّقت قرب قاعدة حامات الجوية على أنها تفصيل أمني معزول. صحيح أن بعض الأجهزة حاولت التقليل من أهميتها، لكن حساسية الموقع والتوقيت يجعل من الصعب تمريرها كحادث عابر. فقاعدة حامات ليست نقطة عسكرية هامشية، ويُتداول أنها تضم وجوداً أميركياً له طابعان: أحدهما معلن أو شبه معلن عبر مهام مرتبطة بتدريب الجيش اللبناني، وآخر أكثر حساسية مع الحديث عن وحدات خاصة وصلت مؤخراً من ساحات أخرى. هنا تصبح المسيّرة أكثر من جسم طائر مجهول: تصبح اختباراً للأعصاب، وقياساً للردود، وربما جسّ نبضٍ لقدرة السيطرة على محيط منشأة حساسة.
الأخطر،ليس فقط إسقاط المسيّرة، بل ما تلا ذلك من حركة خارج القاعدة للبحث عنها ومصادرتها وما رافقها من توتر مع جهات محلية بعد رصد وجود مسلحين غرباء في البلدة. في بلدٍ يقوم جزء كبير من توازنه الهش على تجنّب الاحتكاكات الصغيرة قبل أن تكبر، يكفي أن يختلط الأمني بالسياسي وبالحساسية الاجتماعية حتى يصبح أي خطأ قابلاً للتضخم. المسألة هنا ليست “من انتصر في حادثة ميدانية”، بل كيف يمكن لحادث كهذا أن يفتح الباب أمام احتمالات لا يريدها أحد، أو على الأقل لا يريد الاعتراف بأنه قد ينزلق إليها.
وتزداد دلالة الحادث حين نضعه في توقيته: لحظة بلغ فيها التصعيد الأميركي تجاه إيران نبرة غير مسبوقة من الجدية، مقابل إشارات إيرانية واضحة بأن أي ضربة لن تبقى داخل الحدود الإيرانية، وأن المنطقة كلها قد تُدفع نحو الاشتعال. عندما تتزامن هذه اللغة الثقيلة مع حدث أمني قرب موقع يوجد فيه أميركيون، فإن الرسالة تصبح أكثر وضوحاً: حدود الاشتباك ليست ثابتة، وخرائط الردع قد تكون قيد الاختبار.
من هنا نفهم لماذا تتكثف الانطباعات بأن لبنان لن يكون مُحيَّداً إذا انفجرت مواجهة كبرى. وليس المقصود أن هناك “اتفاقاً” بين أطراف متخاصمة على تحويل لبنان إلى ساحة، بل أن هناك تقاطعاً في النظرة إليه كساحة ملازمة للصراع، كلٌّ لأسبابه. إسرائيل ترى أن الحزب يمثل خطراً يجب أن يُدار أو يُكسر قبل “اللحظة الصفر”، والولايات المتحدة تتعامل مع أي تهديد يقترب من وجودها ومصالحها بحساسية عالية، فيما ترى إيران ومحورها أن الجبهات المتصلة عنصر ردع: إذا توسّعت الحرب توسّعت الساحات، وإذا ارتفع الضغط ارتفعت الكلفة على خصومها.
ضمن هذا المناخ نفسه، لا يمر مرور الكرام أن تبث وسيلة إعلام إيرانية مشاهد جوية لقاعدة حامات بالتزامن مع الإعلان عن المسيّرة من دون شرح كافٍ لطبيعة الصور أو تاريخها. بغض النظر عن التفاصيل، فإن الرسالة الإعلامية هنا جزء من لعبة أشمل: صناعة إحساس بأن الساحة مكشوفة، وأن ما كان يُعد آمناً يمكن أن يصبح ضمن دائرة الاستهداف أو الاستعراض. وهذا النوع من الرسائل لا يُقاس بعدد الكلمات، بل بأثره على قرارات الاستنفار والاحتراز. لذلك ليس مفاجئاً أن تتوسع إجراءات الطوارئ من القاعدة إلى محيط السفارة الأميركية في عوكر، وأن تُنسب إجراءات احترازية إلى بعثات غربية أخرى. في لحظات التوتر الكبرى، تُدار المعركة أحياناً بالخوف بقدر ما تُدار بالسلاح.
لكن لبنان لا يعيش على الإشارات وحدها؛ فالتصعيد الإسرائيلي في البقاع جاء كترجمة ميدانية تزيد المشهد التباساً وخطورة. الضربات التي استهدفت قيادات ومساعدين في حزب الله، وما رافقها من سقوط ضحايا مدنيين، لا يمكن فصلها عن نمط تتبعه إسرائيل منذ مدة: ضربات تقول إنها “استباقية” وتستهدف بنى صاروخية أو عمليات وشيكة، لكنها في الواقع تُنتج أثراً سياسياً إضافياً: تثبيت حق إسرائيل في المبادرة، وتوسيع هامشها، وخلق ذريعة جاهزة لتبرير أي تصعيد لاحق.
حين تقول إسرائيل إن المستهدفين ينتمون إلى ما تسميه “الوحدة الصاروخية”، فهي لا تقدم رواية تقنية فحسب، بل تبني إطاراً تفسيرياً يريد إقناع العالم بأن ما تفعله دفاعي وضروري. غير أن التوقيت والنمط يفتحان الباب أمام قراءة أخرى: عمليات من هذا النوع كثيراً ما سبقت محطات تصعيد مفصلية، وكأنها تمهيدٌ لتعديل قواعد الاشتباك أو رفع سقفها. وفي بلد كلبنان، يكفي أن يُعاد تذكير الناس بسوابق الاغتيالات والضربات التي سبقت موجات كبيرة من التصعيد، حتى يتسع القلق وتتقلص مساحة المناورة.
ما تفعله إسرائيل هنا يتجاوز “منع عمل محدد”، إلى محاولة منهجية لتفريغ أي نقاش داخلي لبناني حول تحييد السلاح أو تجميده أو وضعه في إطار ترتيبات مختلفة. فطالما تُبقي إسرائيل فكرة “الخطر الصاروخي” ساخنة، فهي تُبقي لنفسها حق الضرب، وتُسقط عملياً أي وهم بأن الوقت مناسب لتسويات هادئة. والمفارقة أن الضربات المتكررة، وفق ما يُفهم من تقديرات إسرائيل نفسها، لم تمنحها حلاً حاسماً، بل ترافقت مع اعتقاد بأن الحزب قادر على التعافي وإعادة تنظيم قدراته. وهنا تتغذى الدائرة الخطرة: إسرائيل تضرب لأنها تخشى “اللحظة الصفر”، والحزب يتماسك لأنه يرى في الضربات نية استهداف دائمة، ولبنان يدفع ثمن هذا الشدّ والجذب كلما اقتربت المنطقة من حافة الهاوية.
أمام هذا المشهد، تتحرك السياسة اللبنانية داخلياً وخارجياً في محاولة لصناعة “حيّز أمان”، ولو محدود. داخلياً، هناك اتصالات غير معلنة تسعى إلى فهم تموضع حزب الله إذا وقع هجوم على إيران: هل ستكون ضربة محدودة أم حرباً واسعة؟ وهل سيكون الانخراط مباشراً أم سيحاول الحزب تجنب فتح جبهة؟ بحسب الأجواء المتداولة، لا توجد أجوبة قاطعة، لكن ثمة مسعى لإقناعه بعدم الانخراط إذا اندلعت الحرب. وفي المقابل، تظهر رسائل تهديد من الجانب الإسرائيلي تُحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية أي إطلاق نار من أراضيها، بما يعني—وفق هذا المنطق—اعتبار لبنان طرفاً في الحرب وتحويل أصول الدولة إلى أهداف.
وهنا نصل إلى عقدة بالغة الخطورة: تحميل الدولة مسؤولية قرار لا تملكه بالكامل. هذا النوع من التهديدات لا يضغط على حزب الله وحده، بل يضع اللبنانيين جميعاً أمام معادلة عقابية قاسية: إمّا ضبط كامل للساحة (وهو أمر شبه مستحيل في الواقع اللبناني)، أو مواجهة ثمن قد يطال البنية الرسمية والاقتصاد والناس.
في المقابل، تسعى الدبلوماسية اللبنانية إلى الخارج بحثاً عن “شبكة حماية” سياسية تمنع انفلات الأمور أو على الأقل تخفف سقف التهديد. لكن التجربة اللبنانية مع المجتمع الدولي ليست مريحة: التعاطف اللفظي غالباً لا يتحول إلى ضمانات، والقلق الدولي من توسع الحرب لا يعني تلقائياً القدرة على كبحها إذا قرر لاعب رئيسي رفع السقف.
وسط كل هذا، يبقى السؤال الأكثر حساسية: ماذا يريد حزب الله فعلاً في هذه المرحلة؟ الأجواء توحي—بحسب ما يُنقل—بعدم وجود قرار لديه بالدخول في إسناد مباشر لإيران، وهو ما يلتقطه المسؤولون اللبنانيون كإشارة تخفيف. لكن هذا لا يعني حياداً مطلقاً إذا قررت إسرائيل شن حرب عليه مستفيدة من الظرف الإقليمي. الحزب، كما يبدو، يرى أن إسرائيل تجهز أرضية لاستهدافه، وأن أي تحرك منه سيكون تحت عنوان “الدفاع عن النفس” لا “الإسناد”. هذا التفريق قد يكون مهماً في خطاب الحزب وتبريراته، لكنه قد لا يكون مهماً لدى إسرائيل إذا قررت تحويل أي رد—مهما كان—إلى سبب لتوسيع الحرب.
لبنان يقف في واحدة من أكثر لحظاته هشاشة: ليس لأنه على وشك حرب حتماً، بل لأن عوامل الانزلاق تتكاثر، ولأن “ترابط الجبهات” يحوّل الحوادث الصغيرة إلى رسائل كبيرة، ويجعل الخطأ في التقدير أخطر من القرار المتعمد أحياناً. وإذا كان اللبنانيون قد اعتادوا أن يعيشوا فوق صفيح ساخن، فإن الجديد اليوم هو أن الصفيح نفسه صار متصلاً بصفيح آخر أكبر، وأن شرارة واحدة في مكان ما قد تكفي لتسخين الجميع.
ما يحتاجه لبنان في هذه اللحظة ليس خطاباً عصبياً ولا تهويلاً إعلامياً ولا إنكاراً مطمئناً، بل إدارة عقلانية للمخاطر: موقف رسمي متماسك يقلل الالتباس، تواصل سياسي يخفف احتمالات سوء الفهم، ودبلوماسية وقائية تعمل قبل وقوع الضربة لا بعدها. قد لا يملك لبنان ترف التحكم بمسار المنطقة، لكنه يملك على الأقل خيار ألا يساعد—بانقسامه وفوضاه—على تسريع الانزلاق. وفي زمن تُدار فيه الحروب بالرسائل قبل الصواريخ، يصبح ضبط الرسالة الداخلية أحياناً خط الدفاع الأول.


